05 جمادى الآخرة 1439 هـ الموافق ٢١ شباط ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

يوم تملَّكت يميننا : الازدهار الفرعوني والازدهار الإيماني

12:31 مساء الأحد, 12 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 2016-12-11 12:31:45

حيرني منذ سنين سؤالان، أما الأول فهو : لماذا الإرث العمراني للحضارات السابقة أضخم بكثير من الإرث العمراني للحضارة الإسلامية؟ و أما الثاني فهو : لماذا حدد القرآن الكريم التفاصيل الدقيقة للنظام الاجتماعي واكتفى بتحديد القواعد الكلية للنظام السياسي؟ وبالرغم من الاختلاف البيّن بين موضوعي السؤالين إلا أن البحث أظهر أن إجابة كلا السؤالين واحدة ! الأمر الذي حولني من الحيرة إلى الدهشة ! تحقيق السؤالين قد لا يسلم لي القارئ الكريم بالمسلمات الضمنية التي يقررها كلا السؤالين، فيقول مستشكلاً على سؤال الإرث العمراني: لقد تركت الحضارة الإسلامية معالم عمرانية بارزة في حواضر الإسلام ومثال ذلك قصور الأندلس والإسطنبول ! والحقيقة فإن هذا الاستشكال لا يصح، فتساؤلنا حول الإرث العمراني لا ينفي وجود إرث عمراني إسلامي ومتميز، ولكنه يتساءل عن التفاوت الكبير بين حجم الإرث العمراني الإسلامي والإرث الذي تركته الحضارات الغابرة، وهو تفاوت يبرز بشكل جلي لكل من يزور عواصم الحواضر الإسلامية كبغداد ودمشق والقاهرة ويقارن إرثها العمراني بالأوابد الشامخة في المدن الأوروبية الكبرى كباريس وروما وأثينا وأمستردام وميونيخ، أو يقارنه بالمدن الأثرية الباقية في بلادنا كجرش في الأردن وبصرى في الشام أو الأقصر والأهرامات في مصر أو حتى آيا صوفيا في الإسطنبول ! أما القارئ الذي يستشكل سؤال النظام الاجتماعي فلعله يقول : لقد ذكر القرآن الكريم تفاصيل لكل مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية، وهذا الاستشكال أيضاً لا يصح، فتساؤلنا حول النظام الاجتماعي لا ينفي أن القرآن الكريم شمل أحكاماً للنظام السياسي، ولكنه يركز على التفاوت الكبير بين تفاصيل النظام الاجتماعي وتفاصيل النظام السياسي، وما هي دلالات هذا التفاوت؟ لماذا يحدد القرآن الكريم تفاصيل دقيقة حول النكاح والطلاق والعدة ودخول البيوت والأكل منها، وتفاصيل اللباس، بل مواعيد زمنية لحركة الأولاد في البيت ووضع الثياب؟ ولا يحدد تفاصيل تنصيب الخليفة وعزله؟!! ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

أردوغان الميكافيللي !

12:55 مساء الأحد, 04 ذو القعدة 1437 هـ الموافق 2016-08-07 12:55:08

"إن الأمير الشرعي المحبوب من شعبه الذي لا توجد له رذائل مفضوحة أمام الناس لا يحب شعبه أن يتخلص منه، ومن الطبيعي لشعبه أن يتمسك به... وليس من السهل أبداً أن تهاجم من تكون تحصيناته قوية لا سيما عندما يكون محبوبًا من شعبه". (ميكافيللي). في دراسة سابقة بعنوان (دفاعاً عن الأمير) قرَّبنا المقولة الميكافيللية "الغاية تبرر الوسيلة" للمجال التداولي العربي الإسلامي، والدراسة الحالية تضيف المزيد من التوضيح للدراسة السابقة وذلك من خلال تقديم رؤية للانقلاب التركي الفاشل من منظورٍ ميكافيليّ ، هذه الرؤية -كما- سنرى تظهر بوضوح أن الفكر الميكافيلي كان أكثر مراعاة للشرط الأخلاقي في العمل السياسي من فقهاء السلطان الذين ابتليت بهم أمة الإسلام ! نبدأ هذه الدراسة بعصف ذهني يطرح للتأمل الأسئلة التالية : كيف سيكون حال انقلاب السيسي لو لم يؤيده المفتي علي جمعة؟ كيف سيكون حال انقلاب السيسي لو رفض أحمد الطيب ومؤسسة الأزهر التخلي عن الرئيس الشرعي محمد مرسي؟ كيف سيكون حال انقلاب السيسي لو لم تؤيده الكنيسة القبطية؟ كيف سيكون حال الانقلاب المصري لو تمسكت المؤسسات سابقة الذكر بالرئيس الشرعي المنتخب وآزرهم في هذا الموقف حزب النور السلفي؟ كيف سيكون حال الرئيس التركي أردوغان لو ابتلي بمثل هؤلاء الانتهازيين المتدينين!؟ كيف سيكون حال الرئيس التركي لو كان زعيم المعارضة التركية هو محمد البرادعي بدلاً من (كمال قليجدار أوغلو ؟)أو (دولت بهجت لي) !؟ ماذا سيحدث لو لم يتآمر مجلس الطرق الصوفية في مصر ضد الشعب ويتحالف مع انقلاب السيسي كما تحالف الصوفي غولن مع الانقلاب التركي؟! ماذا سيحدث لو قبلت جميع الأطراف المصرية أو التركية بالشورى وعرضوا القضايا الخلافية المفصلية على الشعب من خلال استفتاء كما فعل رئيس الوزراء البريطاني (كاميرون)؟! ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

عضلات الصبر

15:05 مساء الأربعاء, 27 رجب 1437 هـ الموافق 2016-05-04 15:05:18

تشجع معظم الأديان على ضبط النفس، ففي القرآن الكريم وردت مشتقات الجذر "صبر" أكثر من مئة مرة، وتكرر الأمر بالصبر عشرات المرات، ويصرح القرآن الكريم بأن الله يحب الصابرين. وللصيام علاقة وثيقة بالصبر، يقول العلامة محمد رشيد رضا في تفسيره - تفسير المنار- وهو يفسر آية الصوم:﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾: "هذا تعليل لكتابة الصيام، ببيان فائدته الكبرى، وحكمته العليا، وهو أنه يعدُّ نفس الصائم لتقوى الله - تعالى - بترْك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة؛ امتثالاً لأمره، واحتسابًا للأجر عنده، فتربَّى بذلك إرادته على مَلكة ترك الشهوات المحرَّمة، والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتَقوى على النهوض بالطاعات والمصالح، والاصطبار عليها، فيكون الثبات أهون عليه؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((الصيام نصف الصبر))، وقال سفيان بن عيينة: الصوم هو الصبر يصبر الإنسان على الطعام والشراب والنكاح، ثم قرأ: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب". يدرس علم النفس الحديث ظاهرة الصبر تحت مسمى "ضبط النفس"، والنموذج العلمي المتداول حالياً يشبه الصبر بالعضلة، ووفقاً لهذا النموذج فلكل إنسان مقدرة معينة من الصبر تماماً كما لديه قدرة عضلية معينة، وكما تنضب قدرة العضلات خلال القيام بالمهمات الشاقة تنضب مصادر الصبر عند الإنسان حين تستنفذ بمهمات شاقة متعددة. ولهذا النموذج وجه مشرق، فمن المعلوم لمن يمارس رياضة كمال الأجسام وبناء العضلات أن تعريض العضلة لمهام شاقة -حتى تكاد تبلغ درجة الفشل- شرط في تحقيق نموها، ويلاحظ هنا أن الجهد الذي أفشل العضلة في التمرين الأول يصبح غير قادر على إفشالها لاحقاً، ولا بد من بذل جهد أكبر حتى تبلغ العضلة مرحلة الفشل، وهذا الأمر يطبقه علم النفس الحديث على الصبر، فعضلة الصبر تنمو مع التمرين تماماً كما تنمو عضلات الجسم . ولقد وجدت بعض الدراسات أن معدل الحوادث ومراجعة أقسام الطوارئ يرتفع في البلاد الإسلامية أثناء شهر رمضان الكريم ! كما يلاحظ كثير من المسلمين زيادة في معدلات نوبات الغضب في شهر رمضان ويتساءلون عن سبب هذه الظاهرة التي تتناقض مع أحاديث صحيحة تخبر أن الشياطين تصفد في شهر رمضان الكريم وتفقد الكثير من مقدرتها على الإغواء ! فما هو السبب خلف هذه الحوادث ونوبات الغضب؟ بعض النتائج العلمية قد تساعدنا على تفسير هذه الظاهرة، فلقد وجدت مجموعة من الدراسات علاقة وثيقة بين الصبر ومستوى الجلوكوز في الدم، والجلوكوز هو المصدر الأساسي للطاقة في عمليات البناء في الخلايا، فبانخفاض كميات الجلوكوز تقل القدرة على ضبط النفس، والعكس صحيح، والصيام يقلل كميات الجلوكوز في الدم فتنخفض المقدرة على ضبط النفس ! أو على الصبر! ولكن يبرز هنا تساؤل مثير: هل شرع الصيام لتقليل الصبر أم لزيادته؟ ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

جهنم أصل الحضارة !

14:11 مساء الأربعاء, 21 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-30 14:11:47

تعالت مؤخراً أصوات تنادي إلى تجاوز خطاب الوعيد الديني، واستجابة لهذه الأصوات قامت بعض المؤسسات التعليمية بحذف بعض النصوص الدينية التي تتضمن وعيداً لمن حاد عن الصراط المستقيم، ومن الأمثلة على ذلك حذف قصة المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها وعذبتها من منهاج الصف الأول في المملكة الأردنية الهاشمية، وأيضا تم حذف جزء من دعاء الطعام ! فبعدما كان نص الدعاء : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، تم حذف قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : قنا عذاب النار ! وهذا الحذف لم يتم على أسس مستنبطة من علم الحديث وضوابطه بل بطريقة اعتباطية. إن الأصوات المنادية بتغييب (أو تخفيف) خطاب الوعيد الديني لم تقدم لنا نظرية علمية أو شرعية لتدعيم دعواها، فالخطاب الديني جاء من عند أرحم الراحمين ! وهو أرحم بعباده من أصحاب هذه الدعوى، ولقد وازن الخطاب الديني بين الوعد والوعيد. كما إن نظريات النمو المعرفي والأخلاقي الغربية لا تؤيد دعواهم، بل تعارضها وتشير إلى أهمية مفهوم العقاب في تقويم الأخلاق والسلوك خصوصاً في المراحل العمرية الأولى. ولكن ما قد يفاجئ هذه الأصوات التي تزعم الرحمة أن الخطاب العلمي يؤكد أن ظهور المدنية والحضارات الكبرى لم يكن ممكناً لولا الإيمان بالعقاب الإلهي! ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

في العمل الصالح : نظرة علمية

12:44 مساء الأثنين, 27 جمادى الأولى 1437 هـ الموافق 2016-03-07 12:44:38

في العمل الصالح : نظرة علمية معظم ديانات العالم تشجع السلوك الاجتماعي الإيجابي، فهل فعلاً يعزز الدين السلوك الاجتماعي الإيجابي؟ في السنوات الأخيرة ازداد اهتمام الأوساط العلمية بهذا السؤال، ولقد نشرت مؤخراً مجموعة من الدراسات التي استعرضت نتائج البحث العلمي في هذا المجال ، تلخص هذه الدراسة أهم ما توصلت له الدراسات العلمية حول العلاقة بين الدين والسلوك الاجتماعي الإيجابي، وتوضح ما هي الأسئلة التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث للإجابة عنها. كما تقدم نقداً عاماً من منظور الثقافة الإسلامية. تعد دراسة أوفييدو (2015) أحدث وأوسع دراسة استقصت بشكل منهجي العلاقة بين الدين والسلوك الاجتماعي الإيجابي ، المسح الذي أجراه المؤلف شمل الدراسات التي أجريت في الفترة الزمنية الممتدة من عام 1973 إلى شهر جون من عام 2014، شمل المسح معظم قواعد البيانات العلمية، ولقد أسفر عن 148 دراسة صنفها المؤلف في خمس فئات وفقاً للمنهجية العلمية التي اتبعتها الدراسة، وعلى الرغم من أن النظرة الأولية للنتائج توحي بوجود علاقة جوهرية إيجابية بين الدين والسلوك الاجتماعي الإيجابي (انظر جدول 1)، إلا أن المؤلف يؤكد أن نظرة عميقة لهذه النتائج تظهر أن العلاقة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. ملخص النتائج التي توصل لها تحليل أوفييدو هي كما يلي : أولاً: بشكل عام العلاقة بين التدين والسلوك الاجتماعي الإيجابي ضعيفة إحصائياً، ثانيا: ليست كل أشكال التدين مرتبطة بعلاقة إيجابية مع السلوك الاجتماعي الإيجابي، حيث غالبا لا توجد علاقة بين التدين الخارجي والسلوك الاجتماعي الإيجابي، ويقصد بالتدين الخارجي التدين الذي يرى فيه المؤمن الدين كوسيلة لأشياء أخرى. أما العلاقة الإيجابية بين التدين الداخلي والسلوك الاجتماعي الإيجابي فتظهر داخل المجموعة التي ينتمي لها الفرد وهي انعكاس لرغبة أو ميل اجتماعي ويصاحبها في العادة توجه سلبي نحو الأفراد خارج المجموعة. ويقصد بالتدين الداخلي التدين الذي يرى فيه المؤمن الدين كغاية بحد ذاته ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

في الرجولة - الشروط والظروف

13:33 مساء الأربعاء, 17 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-27 13:33:11

إن التدبر في آية الرجولة ونعني بآية الرجولة قوله تعالى ؛ (مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً) يعد مدخلاً مناسباً لتقعيد فقه الرجولة، هذا الفقه الذي لحقه الكثير من التقصير حتى غاب عن أذهان معظم المربين. فلم نعد قادرين على تربية الرجال، ونفينا الرجولة عمن يستحقها لا لسبب إلا لعلة التمرد أو الكفر أو الأنوثة ! وكأن التمرد أو الكفر أو الأنوثة تمنع من الاتصاف بالرجولة! فما هي الرجولة؟ وما هي شروطها ؟ وما هي آليات الاتصاف بها ؟ وهل هي أمر مكتسب أم أمر وراثي؟ يضاف إلى التساؤلات السابقة تساؤل تثيره لفظة "مِن" الواردة في الآية الكريمة والتي تفيد "التبعيض ؟!" فإن كانت تفيد التبعيض فهل يعني ذلك أن الإيمان بحد ذاته لا يقتضي الرجولة ؟! كذلك نتساءل في هذا المقال عن علة تضارب الأخبار في زمن وسبب نزول آية الرجولة، فالأخبار مشهورة بنزولها في غزوة أحد، إلا أن سياقها القرآني هو أحداث غزوة الخندق ! فهل نزلت هذه الأية يوم أحد ثم وضعت في سياق آيات غزوة الخندق الواردة في سورة الأحزاب ؟ وما هي دلالات هذا الأمر؟ تعريف الرجولة تقدم لنا آية الرجوله تعريفاً دقيقاً لمفهوم الرجولة، نصوغه كما يلي: كل من صدق عهده حتى قضى نحبه، وعليه يكون شرطا الرجولة هما العهد والصدق، وقضاء النحب إشارة إلى عظمة الأمر المتعاهد عليه أو الجهة المتعاهد معها، فالنحب في اللغة هو النذر والموت، فقضى نحبه " أي : بذل جهده في الوفاء بالعهد من قول العرب: نَحَبَ فلان في سَيْره يومه وليله أجمع، إذا مدَّ فلم ينزل"، قال الإمام البقاعي في تفسيره "نظم الدُرر في تناسب الآيات والسور" : وأصل النحب الاجتهاد في العمل، ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

مع المرأة العربية في زمن الحرب

14:04 مساء الثلاثاء, 16 ذو الحجة 1436 هـ الموافق 2015-09-29 14:04:38

الهجمة الشرسة التي تتعرض لها أمتنا تجعل الحوار بين أفراد الأمة حول واجبات المعركة من الضرورات الملحة، و زمان المعركة يجعل الحوار بين الرجل والمرأة العربيّين من أكثر الحوارات ضرورة و إلحاحاً. وهذه الضرورة لا تحتاج إلى برهان كي يثبتها، بل هي ضرورة يتلمسها كل إنسان سوي الفطرة، ولعل قراءة متأنية في سورة الأحزاب تعيننا على إعادة النضارة لفطرتنا التي كادت أن تشوه في زمان أقر بمشروعية تناكح المثلين ! فلنتساءل : لماذا جمعت الآيات الكريمة لسورة الأحزاب بين وصف أشد لحظات المعركة ضراوة وبين وصف العلاقة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضي الله عنهن ؟ لماذا جمعت السورة بين قوله تعالى: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً" وبين قوله تعالى : "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً (29)" ولماذا جمعت السورة بين اجتماع الكفر وإرجاف المنافقين وستر المرأة ؟! فقال تعالى : "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً (60) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً (62) ... قم بتحميل البحث لتقرأ المزيد

تابع القراءة>>

دفاعاً عن الأمير

11:05 صباحاً الخميس, 29 رمضان 1436 هـ الموافق 2015-07-16 11:05:25

دفاعاً عن الأمير د.رياض العيسى 15/7/2015 دفاعاً عن الأمير (1) اضطرت الظروف منذ بضعة قرون "نيقولو "ميكافيلي"" أن يكتب كتابه الأمير ، و تضطرني الآن ظروف مشابهة أن أكتب دفاعاً عن الأمير ! كتب "ميكافيلي" كتابه لأمير من عائلة "ميديشي" كان يتوسم به أن يحمل مشروع تحرير وتوحيد إيطاليا الممزقة والمستباحة من القوات الأجنبية ، بينما أكتب هذه المقالات دفاعاً عن أمير لا يزال يجلس على مقاعد العلم في إحدى مدارس أو جامعات الوطن العربي الممزق والمستباح ، أو لعله قذفت به ظروف الحرب والاقتتال خارج مؤسسات العلم إلى الأسواق. ولعله في كل الأحوال لم يقرر بعد أن يكون أمير الوحدة والتحرير ، فتدفعه هذه المقالات إلى تلك الهمة، بعد أن تزول عنها قرائن التهمة ! تتصدى هذه المقالات لدفع تهمة الأمير الكبرى ، وهي قوله بأن : "الغاية تبرر الوسيلة" ، فاشتهار مقولته هذه حال بين الكتاب - الذي يعتبر من أهم أدبيات علم السياسة - وبين الشباب المسلم ، فالقول بأن "الغاية تبرر الوسيلة" يبدو مستقبحاً في منظومة الأخلاق الإسلامية ، وهذه المقالات تجادل بأنه في المجال السياسي تحديداً فإن القول بخلاف هذه القاعدة هو الأمر المستقبح إسلامياً ! وأن الأمير القادم لن يتمكن من تحرير الأمة وتوحيدها إن لم يدرك تماماً أن "الغاية تبرر الوسيلة" ! تبدأ هذه السلسلة من المقالات بمقال يوضح كيف أن العرف الدارج يحول دون رؤية القوانين الواضحة والجلية ، وأن المفكر المبدع تتجلى قدرته الفكرية المميزة عندما يتجاوز العرف الدارج ليقرر الطبيعي الجلي ! والمثال النموذجي هو أطروحة "ابن خلدون" حول مفهوم العصبية ، فكيف تمكن "ابن خلدون" قاضي قضاة المالكية من تأسيس علم الاجتماع على أساس مفهوم العصبية المذموم شرعاً والذي يدعو الدين لطرحه ونبذه ! ؟ يقرر ابن خلدون في كتابه "المقدمة" فصل "انقلاب الخلافة إلى ملك" أن العصبية ضرورية لتطبيق الشريعة ، ويقرر في نفس الوقت أن الشريعة تذم العصبية ! فيقول : "اعلم أن الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار إنما هو بضرورة الوجود و ترتيبه ... و أن الشرائع و الديانات و كل أمر يُحمَل عليه الجمهور فلا بد فيه من العصبية إذ المطالبة لا تتم إلا بها ... فالعصبية ضرورية للملة و بوجودها يتم أمر الله منها، و في الصحيح : ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه، ثم وجدنا الشارع قد ذم العصبية و ندب إلى اطراحها و تركها، فقال: "إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية و فخرها بالآباء أنتم بنو آدم و آدم من تراب"، و قال تعالى "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" ... و إنما حض – الشارع - على الألفة في الدين و حذر من الخلاف و الفرقة" في الفقرة السابقة وقف ابن خلدون على تناقض ظاهري بين الشريعة وقوانين الطبيعة ، فطبيعة الاجتماع البشري تقتضي العصبية بينما تطرح الشريعة العصبية وتذمها ، لم يستسلم ابن خلدون للعرف الدارج والمتأثر بقراءة سطحية للنص الشرعي ، بل مضى يحقق في طبيعة التناقض حتى تمكن من حله، ومن ثم جعل من الحل قاعدة لمشروعه الفكري ، يبدأ "ابن خلدون" معالجة التناقض الظاهري بتقرير قاعدة أصولية في الفكر الإسلامي، فيقول : "و اعلم أن الدنيا و أحوالها كلها عند الشارع مطية للآخرة، و من فقد المطية فقد الوصول" فالفهم الاجتماعي السياسي للدين الاسلامي يقرر ما يقرره "ابن خلدون": من أن فقد الدنيا فقد للآخرة ! ثم يقرر ابن خلدون قاعدة أصولية أخرى ؛ "و ليس مراده – أي الشارع - فيما ينهى عنه أو يذمه من أفعال البشر أو يندب إلى تركه إهماله بالكلية ، أو اقتلاعه من أصله و تعطيل القوى التي ينشأ عليها بالكلية، إنما قصده تصريفها في أغراض الحق جهد الاستطاعة، حتى تصير المقاصد كلها حقاً و تتحد الوجهة" إذن فالنهي عن الشيء لا يعني تعطيل القوى النفسية التي ينشأ عنها بالكلية ! و يأتي "ابن خلدون" بمثالين يوضحان دعواه، فيقول في المثال الأول : "فلم يذم – الشارع- الغضب و هو يقصد نزعه من الإنسان، فإنه لو زالت منه قوة الغضب لفقد منه الانتصار للحق و بطل الجهاد و إعلاء كلمة الله به، و إنما يذم الغضب للشيطان و للأغراض الذميمة. فإذا كان الغضب لذلك كان مذموماً و إذا كان الغضب في الله و لله كان ممدوحاً، و هو من شمائله صلى الله عليه و سلم" ويقول في المثال الثاني : "و كذا ذم الشهوات أيضاً ليس المراد إبطالها بالكلية، فإن من بطلت شهوته كان نقصاً في حقه، و إنما المراد تصريفها فيما أبيح له باشتماله على المصالح ليكون الإنسان عبداً متصرفاً طوع الأوامر الإلهية." ثم يقيس العصبية على الغضب والشهوة ، فيقول : "و كذا العصبية حيث ذمها الشارع و قال:" لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم"، فإنما مراده حيث تكون العصبية على الباطل و أحواله، كما كانت في الجاهلية، و أن يكون لأحد فخر بها أو حق على أحد. لأن ذلك مجانب من أفعال العقلاء و غير نافع في الآخرة التي هي دار القرار. فأما إذا كانت العصبية في الحق و إقامة أمر الله فأمر مطلوب، و لو بطل لبطلت الشرائع، إذ لا يتم قوامها إلا بالعصبية" بكلمات مختصرة ، فبالرغم من ذم العرف الدارج للعصبية والناتج عن قراءة سطحية للنص الشرعي تخالف سنن الطبيعة ، قرر "ابن خلدون" أن الشرائع لا تقوم إلا بالعصبية ، ومن ناحية أخرى فإن الاستدلال "الخلدوني" السابق يمكن اعتباره تطبيقاً "خلدونيا" عملياً لفكرة "الغاية تبرر الوسيلة" ، فالعصبية والغضب والشهوة إنما أخذت وصفها من صفة الغاية التي توجهت لها ، ولقد نص "ابن خلدون" على الغاية المعتبرة في هذا السياق وهي : " أن يتم أمر الله من الملة " . فعلى أميرنا القادم أن يدرك أن أمر الله من الملة غاية تبرر الوسائل السياسية وتضفي عليها قيمتها الأخلاقية. فكما أن لا مكان لمن لا يغضب ويشتهي في الحياة الاجتماعية ، فلا مكان لمن تغيب غايته عن تبرير وسائله في الحياة السياسية ، ومن غاب عن السياسة استبيح دينه وعرضه ، ولنا في الواقع المعيش برهانٌ كافِ ! ولك أيها الأمير في فعل "الخيلاء" دليل كافٍ ، فلقد روى أحمد وأبو داود والنَّسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من الخيلاء ما يحب الله ، ومنها ما يبغض الله ... والخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال واختياله عند الصدقة ، والخيلاء التي يبغض الله فاختيال الرجل في الفخر والبغي" . المقال التالي من هذه السلسلة يبين من نصوص الأمير ما هي الغاية المعتبرة لتبرير الوسيلة ، وأن مقصد صاحب الأمير تعلق بغاية معتبرة شرعاً ولم يكن مقصده من القاعدة التي قررها أن كل غاية معتبرة ! (2) هذا هو المقال الثاني من سلسلة دفاعاً عن الأمير . والغرض من هذه السلسلة هو تقريب كتاب الأمير "ل"ميكافيلي"" إلى السياق التداولي العربي الإسلامي ، حدد المقال السابق الإشكال الأصلي الذي يواجهه الفكر "ال"ميكافيلي"" في السياق العربي الإسلامي ، و بيَّن أن التهمة التي تحول بين الكتاب والأمير العربي القادم هي مقولة ""ميكافيلي"" الشهيرة : " الغاية تبرر الوسيلة" ، فقدم المقال مثالاً لإبداع خالف المألوف ووافق أصول الشريعة والطبيعة ، والمثال هو تأسيس ابن خلدون لعلم الاجتماع السياسي، فكيف نفهم تأسيس ابن خلدون علم الاجتماع السياسي على مقولة العصبية المرفوضة شرعاً ؟! لقد قرر رحمه الله أن العصبية والغضب والشهوة تأخذ وصفها الأخلاقي من وصف الغاية التي تستخدم وسيلة لها ، وأن الغاية المعتبرة شرعاً في هذا السياق هي تحقيق أمر الله من الملة ، وختمنا المقال السابق بالتساؤل عن الغاية التي يراها ""ميكافيلي"" صالحة لتبرير الوسائل وإذا ما كانت تتوافق هذه الغاية مع قواعد المجال التداولي العربي الإسلامي؟ المقال الحالي لن يشرع في بيان الغاية التي يعتبرها ""ميكافيلي"" صالحة لتبرير الوسائل ، بل سيناقش مجموعة من الأفكار التي توضح أهمية الهدف من هذه السلسلة ، فما هي الغاية من تقريب كتاب الأمير للمجال العربي الإسلامي ؟ وما مدى أهمية هذه الغاية ؟ من الواضح أننا نعيش أحوالاً سياسية تشير إلى فشل النخب السياسية بكل أطيافها الفكرية ، بل إن هذا الفشل تتحمل جزء منه ثقافة المجتمعات العربية نفسها بصفتها الحاضنة لتلك النخب ، وهذا الفشل الذريع من الطبيعي أن يدفع العقول للبحث عن مواطن الخلل وكيفية علاجها ، وهذه السلسلة من المقالات هي مشاركة بسيطة في هذا الاتجاه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المشاركة - وإن كان الكاتب يتحمل المسؤولية عن الأفكار الواردة فيها- جاءت ثمرة لحوارات لا زالت مستمرة بين مجموعة من الأصدقاء ، ومن اللافت للانتباه أن الآراء المعترضة تساهم بتطوير وبلورة أفكار هذه السلسلة بشكل جوهري. وإذا عدنا إلى السؤال الجوهري ، ما الذي يميز أطروحة كتاب الأمير فيجعلها على درجة عالية من الأهمية بحيث نتكلف المشاق لتقريبها للمجال العربي الإسلامي ؟ فللإجابة عن هذا التساؤل نقدم بدايةَ الفكرة بشكل إجمالي ثم نوضحها بالاستدلالات المناسبة. معظم ما كتب في علم السياسة حتى ظهور كتاب الأمير ، كان يتعلق بالحالة المثالية للدولة والمجتمع ، فانشغلت العقول في تقرير المثال لإنزاله على الواقع ، وما قام به صاحب كتاب الأمير قلب المسألة رأساً على عقب ، حيث انطلق من دراسة الواقع وتقرير قوانينه للتحكم بها للوصول إلى المثال المرتجى ، لقد جمع صاحب كتاب الأمير بين الروح العلمية والوطنية، فقد دفعته الروح العلمية للانشغال بقوانين القوة ، ولكنه لم يكن واقعياً مستسلماً وذلك بسبب روح الوطنية العارمة التي كان يتسم بها وبقيت تشده نحو المثال ، وهو التحرير والوحدة لتحقيق الخير والسعادة لمواطنيه. والآن لنشرع في التدليل على الأطروحة السابقة ، فهل فعلا انشغل علم السياسة قبل كتاب الأمير بالمثال عن الواقع ، لقد سبق "ابن خلدون" ""ميكافيلي"" في ملاحظة تعلق علم السياسة بالمثال وغيابه عن الواقع ، فيقول في افتتاحية مقدمته ، واصفاً علم الاجتماع السياسي الذي يؤسس له : "و كأن هذا علم مستقل بنفسه فإنه ذو موضوع و هو العمران البشري و الاجتماع الإنساني، وذو مسائل و هي بيان ما يلحقه من العوارض و الأحوال لذاته واحدة بعد أخرى ... و اعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة عزيز الفائدة أعثر عليه البحث و أدى إليه الغوص و ليس من علم الخطابة ... و لا هو أيضاً من علم السياسة المدنية ... فقد خالف موضوعه موضوع هذين الفنين اللذين ربما يشبهانه و كأنه علم مستنبط النشأة و لعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة" ويقول في فصل "أن العمران البشري لا بد له من سياسة ينتظم بها أمره" موضحاً الفرق بين السياسة المدنية والسياسة العقلية : "و ما تسمعه من السياسة المدنية فليس من هذا الباب و إنما معناه عند الحكماء ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه و خلقه حتى يستغنوا عن الحكام رأساً و يسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك بالمدينة الفاضلة، و القوانين المراعاة في ذلك بالسياسة المدنية و ليس مرادهم السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة فإن هذه غير تلك و هذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع و إنما يتكلمون عليها على جهة الفرض و التقدير " يتفق كل من "كريستيان غاوس" عميد جامعة "برنستون" و المفكر السياسي "ليوناردو أولشكي" مع الطرح "الخلدوني" السابق ، ولهذا السبب يعتبران أن "مكافيلي" كان أقرب من "أرسطو" إلى الطريقة العلمية ، بل أن هذه النظرة العلمية هي ما ميزه عن سابقيه ، ودفعه للانقلاب على التقاليد المتوارثة. يقول "كريستيان غاوس" في مقدمته لكتاب الأمير واصفاً مفهوم الدولة في الفكر "ال"ميكافيلي"" :" هي قوة فعالة ، بل وحدة ديناميكية مفتونة" ويكمل موضحاً مهمة الأمير من منظور ""ميكافيلي""، قائلا : "أن دور الأمير يقوم في توجيه هذه القوة وفقاً للمبادئ التي تتفق في جوهرها مع المبادئ التي يوجه العالم بواسطتها سير صاروخه الموجه" لقد كان ""ميكافيلي"" واضحاً جداً عندما قال :" من الأفضل أن أمضي إلى حقائق الموضوع بدلاً من تناول خيالاته ، لا سيما وأن الكثيرين قد تخيلوا جمهوريات وإمارات لم يكن لها وجود في عالم الحقيقة ... وإذاً أهملت من جانبي ... الأمور المتعلقة بالأمراء الخياليين ، وتناولت تلك التي تتعلق بالواقعيين" إذن للقوة قوانين يجب على من يمارس العمل السياسي أن يدركها كي يستطيع توجيهها لتحقيق المثال الذي يصبو إليه ، يشرح "برتراند راسل" في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية فكرة ""ميكافيلي"" ، قائلاً :" فإذا كان ثمة علم للنجاح، فيمكن أن يدرس في نجاحات الأشرار كما يدرس في نجاحات الأخيار على حد سواء ، بل يمكن أن يدرس على نحو أفضل في الحالة الأولى ، ما دامت أمثلة الآثمين الناجحين أكثر من أمثلة القديسين الناجحين . لكن العلم ، متى أقيم ، كان مفيداً للقديس كما هو مفيد للآثم ، ذلك لأن القديس إذا تعلق بالسياسة ، فيجب أن يروم تحقيق النجاح، تماماً كما يفعل الآثم" ولكن ما الذي يمكن أن يحدث إن مارس العمل السياسي من لا يدرك قوانين القوة ؟ يجيبنا على هذا التساؤل "ابن خلدون" رحمه الله ، فيقول في فصل عنوانه "الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم" :" ثم اقتدى بهذا العمل بعد كثير من الموسوسين يأخذون أنفسهم بإقامة الحق و لا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته من العصبية و لا يشعرون بمغبة أمرهم و مآل أحوالهم و الذي يحتاج إليه في أمر هؤلاء إما المداواة إن كانوا من أهل الجنون و إما التنكيل بالقتل أو الضرب إن أحدثوا هرجاً و إما إذاعة السخرية منهم و عدهم من جملة الصفاعين ... أمثال ذلك كثير و الغلط فيه من الغفلة عن اعتبار العصبية في مثلها و أما إن كان التلبيس فأحرى أن لا يتم له أمر و أن يبوء بإثمه و ذلك جزاء الظالمين و الله سبحانه و تعالى أعلم، و به التوفيق لا رب غيره و لا معبود سواه" فالغاية من هذه السلسلة هو أن لا ينطبق علينا الوصف "الخلدوني" فنكون كمن يسعى إلى إقامة الحق ولا يعرف ما يحتاج إليه من القوة ، فعلى المجتهدين في السياسة أن يوسعوا الوسع قبل أن يستفرغوه ! وأن لا يغفلوا عن قوانين القوة ، وأكثرها رسوخاً في المجال العربي الإسلامي قوله عز وجل : "وأعدو لهم" ، وقول علمناه رسولنا عليه الصلاة والسلام : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (3) هذا هو المقال الثالث من سلسلة دفاعاً عن الأمير ، وهي سلسلة الغرض منها تقريب كتاب الأمير "ل"ميكافيلي"" إلى المجال التداولي العربي الإسلامي ، فالكتاب يحمل أهمية قصوى لكونه يعد من أمهات أدبيات علم السياسة ، ولكونه أيضاً كتب لمعالجة أوضاع تكاد تتطابق مع الأوضاع السياسية التي يعيشها وطننا العربي في اللحظة الراهنة. المقال الأول بيَّن أن التهمة التي تحول بين الكتاب والأمير العربي القادم هي مقولة ""ميكافيلي"" الشهيرة : " الغاية تبرر الوسيلة" ، وقدم معالجة "خلدونية" أولية للنشوز الذي تظهره هذه القاعدة في المجال التداولي العربي الإسلامي ، فكيف نفهم تأسيس "ابن خلدون" علم الاجتماع السياسي على أساس مقولة العصبية المرفوضة شرعاً ؟! المقال الثاني من هذه السلسلة أجاب عن سؤال : ما هي أهمية تقريب كتاب الأمير للمجال التداولي العربي الإسلامي ، وقدم المقال تفسيراً "خلدونياً" لأهمية الكتاب والمخاطر التي تنجم عن تجاهل أطروحته ، أما موضوع هذا المقال فهو تحديد الغاية التي يراها ""ميكافيلي"" تصلح لتبرير الوسائل؟ لتحديد ما هي الغاية "ال"ميكافيلي"ة" التي تبرر الوسيلة ، يجب أن يُبحث في أمرين ، الأول المقصد العام لكتاب الأمير ، والثاني المقصد الخاص للسياق الذي وردت فيه قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" ، المقال الحالي سوف يبحث في الأمر الأول أي المقصد العام للكتاب ، أما الأمر الثاني فسوف يبحثه مقال لاحق إن شاء الله ، أما المقصد العام للكتاب فيصرح به ""ميكافيلي"" في خاتمة الكتاب ، وفي الفصل الذي عنونه باسم : الحض على تحرير إيطاليا من "البرابرة" ، فقد كُتب كتاب الأمير تحت الاحتلال والهيمنة الأجنبية ، وكانت مضامينه تعادي المحتل ، وتسعى إلى دراسة سبب فشل محاولات التحرير والثورات السابقة ، وبعض مقاطع فصل "الحض على تحرير إيطاليا من "البرابرة" توضح مدى التشابه بين الحالة الإيطالية التي عالجها صاحب كتاب الأمير والواقع العربي الراهن . يفتتح ""ميكافيلي"" خاتمة الكتاب قائلا : "والآن ، وبعد أن درسنا جميع هذه الأمور التي تحدثنا عنها ، وبعد أن فكرت طويلاً فيما إذا كان الوقت الحاضر مناسباً في إيطاليا لظهور أمير جديد ، وما إذا كانت الأوضاع قد أتاحت الفرصة لظهور رجل قدير ورصين ، يُدخل نظاماً جديداً ، يضفي عليه الفخار، وعلى جماهير الشعب الخير والسعادة ، بدا لي أن ثمة عوامل عدة تتفق على تأييد قيام حاكم جديد ، بشكل لا مثيل له في الماضي من حيث الصلاح لمثل هذا المشروع" فصاحب كتاب الأمير لديه مشروع للتحرير والوحدة سيضفي على الأمير المحرِر الذي يتصدى له الفخار ، ويضفي على جماهير الشعب الخير والسعادة ، ومن الغريب أن صاحب كتاب الأمير يعتبر الظروف المأساوية التي كانت تعيشها إيطاليا هي الظروف الأنسب لظهور الأمير المحرر ، فيقول واصفا الواقع الإيطالي في زمنه : "إيطاليا على ما هي عليه من أوضاع راهنة ، ... أهلها مستعبدون ... ، ومضطهدون ... ، وممزقون ... ، لا زعيم لهم ، ولا نظام ، مغلوبين على أمرهم ، ومسلوبة أموالهم ، وممزقين ، وأذلاء ، ... بلادهم قد احتملت من الدمار والخراب كل شيء ونوع.... غدت البلاد بلا حياة تقريبا" ، ومن الواضح أننا نستطيع أن نستبدل كلمة إيطاليا الواردة في النص السابق باسم كثير من الدول العربية كسوريا والعراق ومصر وليبيا واليمن وغيرها ! يكمل صاحب كتاب الأمير ، قائلاً : " تتطلع – إيطاليا - إلى ذلك الإنسان الذي يمكن له أن يداوي جراحها ، وأن يضع نهاية لدمار "لومبارديا" ونهبها ، والجشع والاغتصاب البارزين في مملكة "نابولي" وفي "تسكانيا" ، وأن يشفي بثورها المتقيحة منذ أمد طويل ، وها هي إيطاليا تبتهل إلى الله في كل يوم أن يبعث إليها من ينقذها من هذه الفظاظة "البربرية" ، والحمق الأعمى. إنها على استعداد وتواقة إلى اللحاق بكل راية ، شريطة أن يكون هناك من يحملها ويرفعها". فمقصد الكتاب كما هو واضح من النص السابق مداواة الجراح ، ووضع نهاية للدمار والجشع والاغتصاب والتخلص من الفظاظة "البربرية" للاحتلال الأجنبي، وهي غايات تتصف بالعدالة والجمال وتلهم الشجاعة والأمل ، يقول صاحب الأمير : " الله معك ، فهنا قضية عادلة ، ويتمتع الشيء العادل دائماً بالجمال ، ويكون ضرورياً ، وليس في وسع أي قوة مهما كانت ومن حيثما جاءت أن تدمره أو أن تقضي عليه، وهنا الإرادة العظمى ، وحيث توجد الإرادة تنعدم المصاعب شريطة أن تتبع الإجراءات التي سردتها عليك كأمثلة" في النص السابق يصرح صاحب الأمير أن جميع الإجراءات التي ذكرها في كتابه الغاية منها تحرير إيطاليا من الغزاة ، وتخليصها من المفاسد الناتجة عن الاحتلال الأجنبي ، ويعرب صاحب الأمير عن خوفه من ضياع فرصة التحرير والخلاص ، فيقول : " من الواجب أن لا تضيع هذه الفرصة ، فتتمكن إيطاليا في النهاية من العثور على محررها ، وليس في وسعي أن أصف ما سيلقاه هذا المحرر المنقذ من حب في جميع المقاطعات التي عانت الويلات تحت نير الغزوات الأجنبية ، ولا ما سيجده من تعطش للثأر ، وإيمان ثابت ، وولاء أكيد ، ودموع الشكر والعرفان. إن الأبواب ستفتح جميعاً على مصاريعها أمامه ، وإن الشعب بأسره سيقابله بالطاعة والولاء ، ولن يجد من يحسده ، ولن يتأخر إيطالي واحد عن الانضواء تحت لوائه ، فهذه السيطرة "البربرية" تزكم أنف كل إنسان ، فهل يتاح لبيتك العظيم ، أن يتولى هذه المهمة ، متسلحاً بالشجاعة والآمال ، التي تلهمهما قضيتنا العادلة ، حتى يتاح لنا تحت رايتكم الخفاقة أن نرتفع بوطننا". إذاً الخلاص من السيطرة "البربرية" التي تزكم أنف كل الإنسان وليس الإيطاليين وحدهم هي الغاية التي تبرر الوسيلة ، لم يكن صاحب الأمير يبرر للقتلة وللسيطرة "البربرية" التي تزكم الأنوف كما فعل "البوطي" و "شيخ الأزهر" و"مفتي الجمهورية" و"حزب الزور" ، بل كان يدرب أميره كي يحرر البلاد والعباد ، كان يدرس التجارب السابقة ليحدد مكان الخلل كي يتجاوزه أميره المحرِر ، فلقد كان يخشى أن يكرر الأمير أخطاء الماضي، فيقول : " إذا كانت الكفاءة العسكرية لم تظهر في هذا العدد الجم من الثورات التي وقعت في إيطاليا، ... ، فإن السبب في ذلك أن الأساليب القديمة لم تكن مجدية ، فلم يظهر أحد قادراً على اكتشاف أساليب جديدة". فاكتشاف أساليب جديدة تؤدي لنجاح الثورات وتحرير البلاد هي الغاية التي هيمنت على كتاب الأمير ، وهو المقصد الذي نبتغيه من هذه السلسلة من المقالات ، والله ولي التوفيق. (4) هذا هو المقال الرابع من سلسلة “دفاعاً عن الأمير” ، وهي سلسلة تسعى للتمهيد للأمير العربي القادم، وذلك من خلال تقريب كتاب الأمير للمجال التداولي العربي الإسلامي ، المقال الأول حدد أن تهمة الكتاب هي مقولة "الغاية تبرر الوسيلة" ، ثم وضع المقولة في سياق الفكر "الخلدوني" ، المقال الثاني حدد الغاية من تقريب الكتاب واستدل "خلدونياً" على أهمية هذه الغاية ، والمقال الثالث بيَّن المعنى العام لمفهوم "الغاية التي تبرر الوسيلة" من وجهة نظر ""ميكافيلي"" ، وهي تحرير وتوحيد الوطن، أما المقال الحالي فينظر في السياق القريب الذي وردت فيه قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" ، وكيف نفهم القاعدة في داخل هذا السياق. يقرر ""ميكافيلي"" قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" في فصل من كتابه عنوانه " كيف يتوجب على الأمير أن يحافظ على عهوده؟" ولعل الفقرة التالية من هذا الفصل تحمل من التعقيد ما يبرر سوء الفهم الذي لحق بصاحب الكتاب ، ونزعم أن الفقرة حوت التهمة وأدلة الإدانة كما حوت البراءة وبيناتها ! إضافة لكونها شملت النصيحة والتوجيه !! يقول ""ميكافيلي"" ناصحاً أميره : " وهكذا فمن الخير أن "تتظاهر" بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين ، وأن تكون فعلاً متصفاً بها ، وعليك أن تعد نفسك ، عندما تقتضي الضرورة لتكون متصفاً بعكسها . ويجب أن يفهم أن الأمير ، ولا سيما الأمير الجديد لا يستطيع أن يتمسك بجميع هذه الأمور التي تبدو خيرة في الناس ، إذ أنه سيجد نفسه مضطراً للحفاظ على دولته ، لأن يعمل خلافاً للإخلاص للعهود ، وللرأفة والإنسانية والدين. ولذا فإن من واجبه أن يجعل عقله مستعداً للتكيف مع الرياح ... وأن لا يتنكر لما هو خير ، كما قلت ، إذا أمكنه ذلك ، شريطة أن ينزل الإساءة والشر ، إذا ما اضطر إلى ذلك وضويق ... حقيقة لا استثناء فيها في أعمال جميع الناس ولا سيما الأمراء أن "الغاية تبرر الوسيلة" نقسم توضيحنا للفقرات السابقة إلى عدة أقسام ، القسم الأول مخصص لصفة حفظ الوعد، ونبدأ بها كونها عنوان الفصل ، والقسم الثاني مخصص لمفهوم التظاهر الوارد في النص، والقسم الثالث سنخصصه لمفهوم التدين الوارد في النص. أما القسم الأخير فنخصصه لمفهوم الضرورة المتكرر في النص ، وهذا المقال مخصص للقسم الأول أي شرح موقف "ميكافلي" من صفة حفظ العهود ، ونقوم بتقييم رأيه في هذه المسألة من جهة المجال التداولي العربي الإسلامي ، ثم نعود في مقالات لاحقة إن شاء الله لتوضيح الأقسام الباقية. نلاحظ أولاً أن النص "الميكمافيلي" السابق صريح في تقرير خيرية صفة حفظ الوعد وأهمية أن يتصف الأمير بها ، بل وأن يتظاهر بالاتصاف بها إن لم تكن من صفاته ، وكذلك فإن النص صريح في تقرير أن صفة حفظ الوعود يجب أن لا يخالفها الأمير إلا مضطراً ، بل أن ""ميكافيلي"" حذر الأمير في هذا الفصل من خطورة أن تظهر عليه صفة عدم حفظ الوعود ، قائلا : "ولكن الضرورة تحتم على الأمير الذي يتصف بهذه الصفة – عدم حفظ الوعد - أن يجيد إخفائها عن الناس" ، فمن وجهة نظر "ميكافلى" فإن اشتهار الأمير بصفة عدم حفظ الوعد مقتل للأمير، لذلك حض الأمير على البحث عن مشروعية لنقضه وعده ، فيقول :" ولن يعدم الأمير الذي يرغب في ...التنكر لوعوده ، ذريعة مشروعة لتحقيق هذه الغاية". لقد سبق "ابن خلدون" رحمه الله "ميكافيلي" في تقرير أهمية صفة حفظ الوعود للأمير، فيقول : "وإذا كان وجود العصبية فقط من غير انتحال الخِلال الحميدة نقصاً في أهل البيوت والأحساب ، فما ظنك بأهل الملك الذي هو غاية لكل مجد ، ولكل حسب ... فقد تبين أن خِلال الخير شاهدة بوجود الملك لمن وجدت منه العصبية ، فإذا نظرنا إلى أهل العصبية ومن حصل لهم الغلب على كثير من النواحي والأمم وجدناهم ينافسون في الخير وخِلاله من ... وفاء العهد ... والتجافي عن الغدر والمكر والخديعة ونقض العهد" بعدما قرر "ميكافيلي" أهمية صفة حفظ الوعد وخطورة أن يشتهر عن الأمير مخالفتها ، ينتقل ليحدد الظرف الاضطراري والاستثنائي لمخالفة هذه الصفة فيقول: " وعلى الحاكم الذكي أن لا يحافظ على وعوده عندما يرى أن المحافظة على وعوده تؤدي إلى الإضرار بمصالحه ، وأن الأسباب التي حملته على إعطاء هذا الوعد لم تعد قائمة" وفي النصوص الشرعية الإسلامية أحكام تقنن هذه الحالة يقول سبحانه وتعالى : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين} [الأنفال: 56-58].ولقد روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أوصى أمراء الجهاد ، قائلاً : " وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله" ، ومعنى إخفار ذمة الله وذمة رسوله نقض عهدهما. فالإسلام نهى أصالة عن جعل ذمة الله ورسوله داعماً للاتفاقيات مع القوى السياسية . إلا أن الحديث ذاته يشير إلى أن الأمير قد يضطر لنقض العهد لأي سبب من الأسباب، كأن يرى أن العدو يعد العدة لشن هجوم وفي هذه الحال له الحق أن يبادره بالضربة التي تقضي على قوته، إما بدون إنذار إذا علم أن العدو مصر على قتاله، وإما بإنذاره ونبذ العهد إليه، إذا ظهرت له علامات تدل على عزم العدو على قتاله. ولنضرب مثالاً واقعياً من سيرة الأمير "محمود نور الدين زنكي" والذي اتصف بالتقوى حتى أطلق عليه المؤرخون لقب سادس الخلفاء الراشدين ، كما أننا نزعم أنه جمع إلى صفة التقوى صفات الأسد وثعلب إلى درجة أن "ميكافيلي" لو قدر له أن يدرس سيرة هذا الأمير لعده نموذجه الأمثل ، وسوف نبرهن على زعمنا هذا في مقال لاحق ، لقد سعى "نور الدين" للوصول إلى القدس وتحريرها وتوحيد بلاد المسلمين الممزقة، وكانت مدينة دمشق وحاكمها عقبة كؤوداً في وجه هذا السعي ، وكانت أول محاولة "لنور الدين" للسيطرة على دمشق في سنة 1150م حين أرسل قواته إليها لكن مسيرها تأخر بسبب هطول الأمطار فسارع حاكم دمشق "مجير الدين أبق" بالاستنجاد بالصليبيين، فقرر نور الدين فك الحصار عن دمشق بعد أن وعده "مجير الدين" بأن ينقش اسمه على النقود وأن يدعو له في المساجد ، ثم سيطر الصليبيون على عسقلان سنة 1153م، وخشي "نورالدين" على دمشق خاصة بعد أن استطال الصليبيون على دمشق بعد ملكهم عسقلان ووضعوا عليها الجزية، فقام نور الدين بتكليف "نجم الدين أيوب" بكسب بعض القواد في دمشق وبث الشائعات ضمن دمشق وتحريض الشعب على الثورة، حتى ذهب "نجم الدين" مع بعض من حرسه لمقابلة "مجير الدين" والذي خشي بدوره من المقابلة ورفضها. فاعتبرها "نور الدين" إهانة فسير جيشه إلى دمشق. فاستنجد "مجير الدين" بالصليبيين على أن يعطيهم الأموال ويسلم لهم بعلبك فجمعوا واحتشدوا‏.‏ وفي خلال ذلك عمد "نورالدين" إلى دمشق في إبريل 1154 م وكاتب جماعة من أحداثها ووعدهم من أنفسهم فلما وصل ثاروا "بمجير الدين" فلجأ إلى القلعة‏. وفُتِح أحد أبواب دمشق ليدخل "نور الدين" منه، ‏وملك "نور الدين" المدينة وحاصر "مجير الدين" في القلعة، وبذل له إقطاعاً منها مدينة حمص‏.‏ فسار إليها "مجير الدين" وملك "نور الدين" القلعة‏.‏ ثم عوضه عن حمص ببالس فلم يرضها فرحل إلى بغداد وابتنى بها داراً وأقام بها إلى أن توفي. الأمير العربي القادم سيدرك أن عليه أن يميز الفخاخ ويرهب الذئاب ، فالعمل السياسي سيرغمه كما يقول "ميكافيلي"" أن يقلد الثعلب والأسد معا ، إذ الأسد لا يستطيع حماية نفسه من الفخاخ ، والثعلب لا يتمكن من الدفاع عن نفسه أمام الذئاب. لذا يتحتم عليه أن يكون ثعلباً ليميز الفخاخ وأسداً ليرهب الذئاب. وكل من يرغب في أن يكون مجرد أسد ليس إلا ، لا يفهم هذا" ، وفي مثل هذا السياق يفهم قول عمر بن خطاب رضي الله عنه : "لستُ بالخِبِّ - الخدَّاع- ،ولا الخِبُّ يخدعُني” وعند مقارنة العرض السابق من سيرة زنكي بالجملة الافتتاحية لدرس التاريخ في الصف العاشر في الأردن حيث يجلس الآن أمير العرب المستقبلي ! لأدركنا أهمية الغاية التي نسعى لها من خلال تقريب كتاب الأمير ،فعنوان الدرس هو : " الحرب العالمية الثانية والمشرق العربي" ، والجملة الافتتاحية للأمير الشريف حسين بن علي ، حيث يقول: "لقد أخذ الإنجليز منا عهداً في القتال ، وأقمنا العهد ، وقطعوا لنا عهداً بالاستقلال والوحدة العربية ، ولكنهم ويا للأسف نقضوا العهد" ، فلو تخيلنا "ميكافيلي" يقرأ الجملة السابقة لقتله الكمد ! فكيف ينتظر أمير من أمير غيره أن يحرر ويوحد له وطنه !؟ ثم يبرم معه العهود ! ويفي بها ! ويتأسف لعدم وفاءه بها ! رحم الله "زنكي" ، رحم الله "زنكي". (5) هذا هو المقال الخامس من سلسة "دفاعاً عن الأمير" ، المقالات السابقة بحثت في أهمية تقريب كتاب الأمير إلى المجال العربي الإسلامي ، وما هي العقبات التي تقف في وجه هذا التقريب ، وتوصلت الدراسة إلى ضرورة فهم القاعدة "الميكافيلة" "الغاية تبرر الوسيلة" ضمن السياقات العامة والخاصة التي وردت فيها ، وبعد الحديث عن السياق العام وهو السعي للتحرير والوحدة ، شرعت الدراسة في توضيح السياقات الخاصة ، المقال الحالي يبحث في إشكالية دعوة "ميكافيلي" الأمير إلى أن يتظاهر بالأخلاق الحميدة ! ونوضح في هذا المقال أن الدعوى "الميكافيلية" للتظاهر بالأخلاق الحميدة دليل على أن كل من انتقد فعل الجماهير العربية المنخرطة في الربيع العربي لا يمتلك من الفهم الاجتماعي السياسي ما امتلكه "ابن خلدون" و"ميكافيلي" ، بل ونزعم أن كثيراً منهم لم يمتلك من الأخلاق الحميدة ما امتلكه "ميكافيلي" ! يقول "ميكافيلي" ناصحاً أميره : " وهكذا فمن الخير أن "تتظاهر" بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين، وأن تكون فعلاً متصفا بها " ، وصية "ميكافيلي" للأمير بالتظاهر بالأخلاق الحميدة وعدم مخالفاتها إلا اضطراراً تعد من وجهة نظرنا دليلاً على النظرة الأخلاقية والواقعية التي اتصف بها صاحب كتاب الأمير، فهو لا يرتكز في وصيته على الوازع الأخلاقي للأمير، ولكن يستند على السنن الكونية في الاجتماع البشري ، والتي تقرر أن الحكم لا يستمر بصفات الشر وطبائعه، "فميكافيلي" يحذر الأمير من أن يظهر ما يخالف الصفات الحميدة لأن ذلك يعارض أصول الحكم ، ويشكل خطراً على نظام الحكم ، ولقد حرص كل من "زين العابدين" و"مبارك" و"القذافي" و"بشار" و"علي عبد الله صالح" على اظهار كل ما يخالف الصفات الحميدة، فلقد بلغ الأمر بهم وفقاً للوصف "الخلدوني" إلى ممارسة التعري أمام الناس ! لقد سبق العلامة "ابن خلدون" "ميكافيلي" في تقرير أهمية تحلي الحاكم بالأخلاق الحميدة ، ففي فصل من كتاب المقدمة عنوانه " من علامات الملك التنافس في الخِلال الحميدة" يقول "ابن خلدون" رحمه الله : " لما كان الملك طبيعياً للإنسان لما فيه من طبيعة الاجتماع ... و كان الإنسان أقرب إلى خِلال الخير من خِلال الشر بأصل فطرته، و قوته الناطقة العاقلة ، لأن الشر إنما جاءه من قبل القوى الحيوانية التي فيه، و إما من حيث هو إنسان فهو إلى الخير و خِلاله أقرب ، والملك و السياسة إنما كانا له من حيث هو إنسان، لأنهما للإنسان خاصة لا للحيوان ، فإذاً خِلال الخير فيه هي التي تناسب السياسة و الملك ، إذ الخير هو المناسب للسياسة ، و قد ذكرنا أن المجد له أصل يبنى عليه و تتحقق به حقيقته ، وهو العصبية والعشيرة ، وفرع يتمم وجوده ويكمله وهو الخِلال ، وإذا كان الملك غاية للعصبية فهو غاية لفروعها و متمماتها وهي الخلال، لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء أو ظهوره عرياناً بين الناس. إن من ينتقد "الربيع العربي" و"موقف الجماهير العربية" من حكوماتها يخالف أبسط السنن الكونية المتعلقة بعلم الاجتماع والعمران ، فلقد تنافس حكام العرب وفق التعبير "الخلدوني" في التعري أمام الناس ! وأظهروا كل ما يخالف الصفات الحميدة ، من فساد وخلاعة وبطش وظلم وعدم احترام لقيم شعوبهم ومقدساتها ، مما جعل الأجواء مهيأة لسقوط حكمهم وزواله. يقول "ابن خلدون" : " إذا تأذن الله بانقراض الملك من أمة حملتهم على ارتكاب المذمومات و انتحال الرذائل و سلوك طرقها فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة ، و لا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم و يتبدل به سواهم ، ليكون نعياً عليهم في سلب ما كان الله قد آتاهم من الملك و جعل في أيديهم من الخير ، "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً" ، و استقرئ ذلك و تتبعه في الأمم السابقة تجد كثيراً مما قلناه ورسمناه " أما القول بأن سقوط هؤلاء الحكام كان بسبب مؤامرة خارجية ، فهذا يزيد من مأثومية هؤلاء الحكام ، فهؤلاء الحكام هم من تخلوا عن كل دعائم حكمهم ولم يبقوا إلا على رضى القوى الخارجية سنداً لهم ، فعندما زال السند زالوا ، فوفقاً للتعبير "الخلدوني" فلقد قطع هؤلاء الحكام أعضاءهم ! فأين هي جريمة الجماهير العربية المخدوعة ؟! فلو توفر للعرب حكام يتبعون وصايا "ميكافيلي" فيتظاهرون بالصفات الحميدة – وإن لم تكن من صفاتهم - لنالهم من المجد ما يرسخ حكمهم ، ولنا في حكام تركيا الجدد خير مثال ، فلو سلمنا بأن "أردوغان" ومن معه يتظاهرون بالصفات الحميدة ، فمن الملاحظ أن هذا التظاهر أكسبهم تعاطف الجماهير وحبها وولاءها ، فتحت عنوان "واجبنا تجنب التعرض للاحتقار والكراهية" كتب "ميكافيلي" قائلاً : " إن على الأمير أن لا يخشى كثيراً من المؤامرات إذا كان الشعب راضياً عنه ، أما إذا كان مكروهاً، ويحس بعداء الشعب له ، فإن عليه أن يخشى من كل إنسان ، ومن كل شيء " !!! ويبقى السؤال المحير هو : ألم يتسنى للشيوخ والفقهاء المعارضين للربيع العربي أن ينصحوا حكامهم بمثل نصيحة "ميكافيلي" بأن يتظاهروا بالصفات الحميدة ؟! بدل أن يمطروا الجماهير المسلمة بفتاوى حرمة الخروج على الحاكم المقطع الأعضاء ، والخارج على الجماهير وهو عري !!! ليطلب منها الطاعة والولاء ، فهذا الفعل لا يليق بالساسة بل بالبلهاء ومن تبعهم من فقهاء. فالمجد كل المجد والخلود للشهداء. (6) هذا هو المقال السادس من سلسلة "دفاعاً عن الأمير" . بناءً على ما توصلنا إليه في المقالات السابقة فلقد أصبح بإمكان الأمير العربي المسلم أن يقرأ النص "الميكافيلي" "الغاية تبرر الوسيلة" على النحو التالي : على الأمير أثناء سعيه لتحرير العباد وتوحيد البلاد أن يلتزم بصفات خمس هي الرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين ، وعليه إن لم تكن هذه الصفات من صفاته أن يتظاهر بها ، وعليه إن خالفها أن يخفي ذلك عن شعبه ، كما عليه أن يعلم أنه سوف يضطر في ظروف خاصة استثنائية أن يخالف هذه الصفات. ولعل الأمير العربي يجد في الثقافة الإسلامية ما يفسر مقولة "ميكافيلي" بخصوص الاستثناءات الاضطرارية للصفات الأربع ، أي الرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص ، إلا أن المشكلة تكمن في مخالفة الدين ، حيث أن هذه الصفة هي غاية الغايات في المجال العربي الإسلامي، ولا تعلو فوقها غاية حتى ولو كانت تحرير العباد وتوحيد البلاد. نخصص هذا المقال لبحث هذه المسألة ، و من المفارقات العجيبة أن البحث في عقيدة "ميكافيلي" ساقنا إلى رأيه في أهمية العقيدة العسكرية وأن مخافة الله من أهم صفات الجيش الوطني وعقيدته العسكرية ! لقد دعا القرآن الكريم للرحمة والرأفة والمشاعر النبيلة ولكنه نهى عنها في حالات استثنائية كجلد الزناة : "وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ" ، وقتال الكفرة : "وليجدوا فيكم غلظة" ، كما أن دعوة القرآن الكريم لحفظ الوعد حددت استثناءات : "وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم" ، وكذلك الأمر في صفة الإخلاص فلقد قرر القرآن الكريم أن كل العلاقات الإنسانية يجب أن لا تعلو فوق حب الجهاد : "قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ" ، والاقتران بين مفهوم الجهاد والحكم واضح جلي، والاستثناء الوحيد الوارد في سياق مخالفة صفة الدين هو كفر المضطر: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ، إلا أن هذا الظرف لا يتصور أن يواجهه الأمير، لأنه في تلك الحالة ينتفى عنه وصف الإمارة ! فكيف يمكن للأمير العربي المسلم أن يفهم مقولة "ميكافيلي" حول إمكانية مخالفة الدين لتحقيق غاية تحرير العباد وتوحيد البلاد؟ ندعي في هذا المقال أن مقولة "ميكافيلي" تصدق حتى في حق صفة الدين ! وأن هذه المقولة لا تعبر عن لادينية "ميكافيلي" ، بل تؤكد واقعيته ، وتجعله أقرب للمجال العربي الإسلامي ! فمن المسلم به أن مقصود "ميكافيلي" من الدين هو تحديداً الديانة المسيحية الكاثوليكية ، لأنها الديانة التي نشأ عليها، وهي الديانة التي يدين بها مجتمعه الإيطالي، وكذلك المجتمعات الغربية، فهل تتعارض هذه الديانة مع الواقعية ؟! كما هو معلوم فإن دعوى التعارض بين الديانة المسيحية والواقع من المسلمات في المجال العربي الإسلامي ، ومن أبرز هذه التعارضات المسلم بها فكرة الرهبنة والانقطاع عن الدنيا ، وفكرة أن من صفعك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، وكذلك فكرة "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله" ، وعلاقة هذه الأفكار بمفهوم الدولة والقوة من الأمور الواضحة. إذن واقعية "ميكافيلي" جعلته يدرك التعارض القائم بين الديانة المسيحية والواقع، وهو تعارض مسلم به لدى الأمير العربي المسلم، وهذا التعارض هو الذي دفع "ميكافيلي" لتنبيه الأمير لحالات يصبح فيها مخالفة الدين أمراً ضرورياً لتحرير العباد وتوحيد البلاد ، ونحن نؤمن أن الدين الإسلامي لا ينطبق عليه هذا الأمر، وهذا ما سوف نوضحه في المقالات القادمة إن شاء الله. ولعل "ابن خلدون" يؤكد ما ذهبنا إليه فيقول في فصل عنوانه "شرح اسم البابا والبطريك في الملة النصرانية : "وأما ما سوى الملة الإسلامية فلم تكن دعوتهم عامة و لا الجهاد عندهم مشروعاً إلا في المدافعة فقط فصار القائم بأمر الدين فيها لا يعنيه شيء من سياسة الملك و إنما وقع الملك لمن وقع منهم بالعرض و لأمر غير ديني و هو ما اقتضته لهم العصبية لما فيها من الطلب للملك بالطبع ... لأنهم غير مكلفين بالتغلب على الأمم كما في الملة الإسلامية و إنما هم مطلوبون بإقامة دينهم في خاصتهم". كما يؤكد هذه الفرضية – أي تعارض الكاثوليكية مع الواقعية السياسية - المناقشة الطويلة والعميقة التي قدمها عالم الاجتماع الألماني "ماكس فيبر" في محاضرته : السياسة بوصفها حرفة ، فلقد ناقش "فيبر" أخلاقية الوسائل في العمل السياسي وأوضح التناقضات القائمة بين الديانة الكاثوليكية والعمل السياسي . ولعل من الدلائل على أن واقعية "ميكافيلي" قريبة من المجال التداولي العربي الإسلامي ومتعارضة مع المجال التداولي المسيحي الكاثوليكي أن "الرشدية" – أي التأثر بأفكار الفيلسوف العربي المسلم "ابن رشد" – كانت من التهم التي اتهم بها "ميكافيلي"!؟ بكلمات مختصرة، على الأمير العربي أن يدرك أن مقولة "ميكافيلي" حول التعارض الاضطراري بين الواقع والدين، يقصد بها الدين المسيحي، ومن المسلم به في المجال التداولي العربي الإسلامي أن الديانة المسيحية تتعارض مع الواقعية. (7) أوضح المقال السابق أن على الأمير العربي أن يدرك أن مقولة "ميكافيلي" حول التعارض الاضطراري بين الواقع والدين، يقصد بها الدين المسيحي، ومن المسلم به في المجال التداولي العربي الإسلامي أن الديانة المسيحية تتعارض مع الواقعية. ولتأكيد فرضية أن "الميكافيلية" تتعارض مع الديانة المسيحية الكاثوليكية لكنها لا تتعارض مع المجال التداولي العربي الإسلامي سوف نسلك مسلكاً آخر في الاستدلال يختلف عن المسلك الذي اتبعناه في المقال السابق . لقد ذكر "ميكافيلي" لفظ الجلالة في كتابه في مواطن عديدة ، إلا أنه أكثر من ذكر لفظ الجلالة في الفصلين الأخيرين من كتابه، ففي الفصل قبل الأخير والذي بحث فيه مسألة القضاء والقدر، أظهر "ميكافيلي" تدينه وعزا قدرة الإنسان على الفعل والتغيير إلى المشيئة الإلهية، أما في الفصل الأخير والذي خصصه لتحريض الأمير للعمل لتحرير العباد وتوحيد البلاد ، فلقد أعاد "ميكافيلي" تأكيده على حرية الفعل الإنساني كمشيئة إلهية، ثم توسع في شرح التوفيقات الإلهية التي لاحت في الآفاق كبشائر لحلول ساعة التحرير والتوحيد. وجدير بالملاحظة هنا أن "ميكافيلي" يعتبر موسى عليه السلام النموذج الأمثل للأمير، ويرى أن موسى عليه السلام بلغ من السمو أن كلمه الله سبحانه وتعالى. ولعل من أهم المواطن التي ذكر فيها "ميكافيلي" لفظ الجلالة هو عند حديثه عن أنواع القوات المسلحة ، يقول "ميكافيلي" في فصل " الأشكال المختلفة للمتطوعة وجنود المرتزقة" : "هذه القوات – أي المرتزقة - كثيراً ما تكون مجزأة وطموحة ، لا تعرف النظام ، ولا تحفظ العهود والمواثيق ، تتظاهر بالشجاعة أمام الأصدقاء ، وتتصف بالجبن أمام الأعداء، لا تخاف الله ، ولا ترعى الذمم مع الناس" ، يؤكد "ميكافيلي" في هذا النص أن مخافة الله عز وجل هي علة الأخلاق الحميدة ، وبانتفائها تنتفي، ومن اللافت للانتباه أن الوصف "الميكافيلي" السابق ينطبق على ما نعايشه في اللحظة الراهنة ، فلقد ابتلي العرب بجيوش من المرتزقة لا تخاف الله، فوقفت عقبة كؤوداً في طريق التحرير والوحدة، فالدور الذي لعبه الجيش المصري واليمني والسوري على سبيل المثال شاهد جلي على خطورة الاعتماد على قوات مرتزقة لا تخاف الله، و"ميكافيلي" لو كتب له أن يستمع لخطاب الرئيس الأسير "محمد مرسي" وهو يصف هؤلاء اللصوص القتلة بأنهم "رجَّالة ذهب" لانفطر قلبه ، فهل يمكن لجيش ترعرع على رشاوي الأمريكان أن ينصر الأمة و"الإخوان" ! يؤكد "ميكافيلي" على أهمية إنشاء الجيش الوطني، والذي يتكون من أفراد الشعب، ويحمل معتقداته وقيمه، كما ينبه على أهمية اختيار قادة الجيش الأكفاء، وضبط سلوكهم بالقوانين التي تحول دون استخدام الجيش لاستعباد المواطنين فيقول : " قادة هذه الجيوش إما أن يكونوا رجالاً في منتهى الكفاءة أو في منتهى العجز. وإذا كانوا من الأكفاء فعلاً ، فليس في وسعك الاعتماد عليهم ! لأنهم سيتطلعون دائماً إلى تحقيق أمجادهم الشخصية، إما عن طريق اضطهادك أنت ... أو اضطهاد الآخرين، عاصين في ذلك أوامرك. أما إذا كان القائد عاجزاً، فسيكون السبب المباشر في دمارك." فكيف يمكن للأمير إذن أن ينجو من هذا المأزق المحتوم ؟! لقد سبق "ابن خلدون" "ميكافيلي" في مواجهة هذا الإشكال العويص، وبحث هذه المسألة في فصل عنوانه "الخدمة ليست من المعاش الطبيعي"، فقال رحمه الله : "اعلم أن السلطان لا بد له من اتخاذ الخدمة في سائر أبواب الإمارة و الملك الذي هو بسبيله من الجندي و الشرطي و الكاتب ... و مع ذلك فالخديم الذي يستكفى به و يوثق بغنائه كالمفقود إذ الخديم القائم بذلك لا يعدو أربع حالات: إما مضطلع بأمره ولا موثوق فيما يحصل بيده وإما بالعكس فيهما، وهو أن يكون غير مضطلع بأمر و لا موثوق فيما يحصل بيده، و إما بالعكس في إحداهما فقط مثل أن يكون مضطلعاً غير موثوق أو موثوقاً غير مضطلع. فأما الأول وهو المضطلع الموثوق فلا يمكن أحداً استعماله بوجه إذ هو باضطلاعه و ثقته غني عن أهل الرتب الدنية ومحتقراً لمنال الأجر من الخدمة لاقتداره على أكثر من ذلك ... و أما الصنف الثاني وهو ممن ليس بمضطلع ولا موثوق فلا ينبغي لعاقل استعماله لأنه يجحف بمخدومه في الأمرين معاً فيضيع عليه لعدم الاصطناع تارة ويذهب ماله بالخيانة أخرى فهو كَلٌّ على مولاه، فهذان الصنفان لا يطمع أحد في استعمالهما، ولم يبق إلا استعمال الصنفين الآخرين: موثوق غير مضطلع و مضطلع غير موثوق و للناس في الترجيح بينهما مذهبان، ولكل من الترجيحين وجه. إلا أن المضطلع ولو كان غير

تابع القراءة>>

مرسي ومكيافيلي

10:12 صباحاً الأحد, 03 جمادى الأولى 1436 هـ الموافق 2015-02-22 10:12:20

أخطأ مكيافلي عندما اعتقد أن الرئيس مرسي لن ينتصر ! ولكنه أصاب عندما قرر أن دولته سوف تسقط ؟ في هذا المقال نبين كيف أن سقوط حكم الإخوان كان أمراً محتماً من وجهة نظر مكيافلية ، إلا أن نصرهم القادم لا يمكن للمنظومة المكيافلية أن تتوقعه ويحتاج توقعه إلى نوع من التفكير نسميه مابعد المكافيلية ! يصف مكيافلي وضع الرئيس مرسي في كتابه الأمير ، قائلا : "ويجب أن ندرك أنه لا يوجد أصعب من بدء نظام جديد لتـسيير الأمـور وتنفيذه. فنجاحه مشكوك في أمره وليس هناك ما هو أخطر من التعرض لهذا الأمـر . لأن من يريد الإصلاح لابد له من أعداء وهم جميع من كانوا يستفيدون مـن النظـام القديم، وهناك أيضاً من يؤيده بفتور رغم استفادتهم من النظام الجديد . ويرجع هـذا الفتور –من ناحية- إلى خوفهم من خصومهم الذين يساندهم القانون، ومـن ناحيـة أخرى إلى أن الناس لا تؤمن بالجيد إلا بعد أن تجربه فعلاً . وعلى هذا فـإن المـصلح يهاجمه خصومه بحماس شديد في كل فرصة، بينما

تابع القراءة>>

لعلهم يرجعون

10:12 صباحاً الخميس, 29 ذو الحجة 1435 هـ الموافق 2014-10-23 10:12:20

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ تقوم الأسرة بإعادة إنتاج المنظومة الفكرية للمجتمع ، فللأسرة وظيفة فكرية تعادل وظيفتها الحيوية البيولوجية ، لذلك كانت الأسرة إحدى أهم العوائق التي واجهت دعوات الأنبياء صلوات الله عليهم ، هذه الدراسة تتناول تجربة شخصية للكاتب في محاولته لمواجهة الأسرة الطائفية ، وذلك من خلال توجيه أطفاله الذين يحاورون بعض أطفال الطائفة الشيعية في ماليزيا، تحاكي هذه الدراسة التجارب التي أجراها مؤسس علم النفس التطوري جان بياجيه ، والذي تمكن من صياغة نظريته في علم النفس المعرفي  من خلال ملاحظته ودراسته لسلوك ابنتيه "جاكلين" و"سيان" . الكلمة الباقية بلغ ابني "مُسلم" الثانية عشر ، وقد ولد قبيل سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي

تابع القراءة>>

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut