03 ذو الحجة 1439 هـ الموافق ١٤ آب ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

الشيخ محمد علي بن عبدالغني الدقر الحسيني الدمشقي، "رحمه الله" شيخ علماء الشام

16:52 مساء الأحد, 17 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-02 16:52:19

إن تعهد طالب علم واحد حتى يصبح شيخاً، والعناية به، وتقويمه، وإعداده للوعظ والإفتاء لهو أمر من أشق الأمور وأصعبها، فكيف إذا كان العدد مئات وليس واحداً أو اثنين أو ثلاثة؟ هذا هو الذي حققه في بلاد الشام مصلحها وعالمها الشيخ الشريف محمد علي بن عبدالغني الدقر الحسيني الدمشقي، رحمه الله تعالى. ولد بدمشق سنة 1294 في أسرة دمشقية عريقة، وكان أبوه صالحاً محسناً جواداً، وأمه كذلك، وتعلم في الكُتّاب القراءة والكتابة - كعادة أهل عصره - وتعلم فيه شيئاً من كتاب الله تعالى، ثم درس في مدرسة الشيخ عيد السفر جلاني بضع سنين. درس فيها علوم الشريعة والعربية، ولازم الشيخ محمد القاسمي ثم محدث الشام الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني، وكان أحبَّ تلاميذه إليه، وقرأ عليه الكتب الخمسة: البخاري ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي، ودرس على الشيخ العالم أمين سويد، وبرع حتى صار فقيهاً معتبراً. صنيعه في الوعظ: كان صاحب همة في التعليم والوعظ، واشتغل أول أمره بالتدريس في مسجد سنان باشا في دمشق، ثم صار يدور على مساجد دمشق وغيرها من مدن بلاد الشام، وكان عظيم التأثير في النفوس فالتقت القلوب على محبته، وازدحم على دروسه العلمية والوعظية فئات من الشعب. قال الشيخ علي الطنطاوي واصفاً وعظ الشيخ علي الدقر في مسجده الذي يمتلئ كله، ويقف الناس على أبوابه وأمام نوافذه: "لم يكن في الدرس علم غزير، ولكن كان فيه شيء لا يجده سامعه عند ذوي العلم الغزير، فيه الموعظة التي تخرج من القلب لتقع في القلب، فتحرك فيه خامد الشعور، وتثير فيه كامن الإيمان. فيه يملأ بالدموع المآقي، ويُبكي من الخشوع العيون، فيه ما يقيم ويقعد، ويلين أفئدة كانت أشدَّ من الصخر، ويستخلص من أيدي الشيطان نفوساً كان قد تملّكها وتحكّم فيها الشيطان. فيه ما يشعره حاضره أنه انتقل من هذه الدنيا، إلى مجالس الجنان. فيه ما لا أستطيع أن أعرّف القارئين به، لأنه شيء يُرى ولا يوصف، ويذاق ولا يُعرف، وكان الشيخ يُسأل: من أين يأتي بهذا الكلام الذي يلقيه على الناس؟ ومن أيَّ كتاب ينقله؟ فما كان يجيب، ولو أجاب لقال: إنه ينقله من الصلاة في ظلمات الليالي، ومن المناجاة في هدآت الأسحار، ومن حلاوة الإيمان التي يذوقها في ساعات الخلوة بالله، والتوجّه إليه، والقيام بين يديه... إنه إنْ وعظ لم يأت بألفاظ حلوة تقرع الأذن ثم لا تتجاوزها، بل بمعان تصل إلى القلوب قبل أن تصل الألفاظ إلى الآذان. عندما يقرر الدرس ما كان يقتصر على عبارة الكتاب الذي يدرّسه، بل كان ينطلق لسانه بكلمات ترقق القلوب، وتذكّر بالآخرة، كان فيها من روعة التذكير، وشدة التأثير ما ليس له نظير. كان يخشع هو، فيخشع السامعون، ويبكي فيبكون. وكان يرى إقبال الناس عليه فيعجب ويتساءل: نحن نحن، ما تبدّل فينا شيء، فما الداعي لهذا الإقبال والازدحام؟ ويعجب تلاميذه وإخوانه من كلامه هذا، ولسان حالهم يقول: إنه الإخلاص، إنه الورع والتقوى، إنه صفاء القلب والعقل والنفس، إنه حبّ الله وحبّ رسوله الله صلى الله عليه وسلم الذي ملك عليه أقطار قلبه وعقله. إنه الخشية التي جعلتك تقول: إن كل علم لا يورث خشية لا يزيد صاحبه إلا بعداً من الله تعالى، فوازنتَ بين العلم والعمل، وكنتَ مخبتاً لله، زاهداً، متقشفاً، وقد أورثك هذا وسواه إقبال الناس عليك، وازدحامهم على دروسك. وتأثرهم بمواعظك، وامتثالهم لأوامرك وتعليماتك المستمدّة من كتاب الله وسنّة رسوله، البعيدة عن الهوى، العاملة على طرد الخرافات والبدع من حياة المبتدعين وأتباعهم الجهلة، حتى لا يفسدوا على الناس دينهم وعقيدتهم". صنيعه في التعليم وإعداد العلماء: نظر الشيخ فوجد أن بلاده تحت حكم الفرنسيين الفجرة، وأن مناهج التعليم بعيدة عن المنهج الإسلامي، فأنشأ "الجمعية الغرّاء" سنة 1343/ 1924 وأتى بالطلاب من حوران والأردن وبعض مدن وقرى دمشق للتعلم في مدارس الجمعية التي أنشأها له التجار الذين أحبوه ووثقوا به. وعاونه في ذلك بعض العلماء كالشيخ هاشم الخطيب وكان تحت نظر محدث الشام بدر الدين الحسني، فصار الطلاب يتعلمون في تلك المدارس العلوم الشرعية واللغوية، حتى نشأ جيل من طلبة العلم والعلماء ليس للشام بكثرتهم وتفوقهم عهد في تاريخها الحديث، حتى صار الشيخ علي الدقر يُعد صاحب أكبر نهضة علمية في بلاد الشام في العصر الحديث. وكان من مزايا هذه المدارس أنها تعلم علوم الدين واللغة والعلوم الأخرى الدنيوية، وأنها تعلم الفقراء مجاناً، بل توفر لهم الطعام والكساء والمبيت. وبلغ عدد مدارس الجمعية ثلاث مدارس ابتدائية للذكور وثنتين للإناث، أما المدارس الثانوية فهي ست للذكور والإناث، وفي كل مدرسة من تلك المدارس مئات الطلاب، وخرجت تلك المدارس آلاف الطلاب والطالبات، وبهذا حصلت النهضة العلمية الشاملة في بلاد الشام على يد هذا الشيخ المبارك، رحمه الله تعالى. قال الشيخ علي الطنطاوي عن عمل "الجمعية الغراء" والمدارس التابعة لها: "لقد أثمرت الجمعية الغراء خيراً كثيراً، وخرجت علماء ودعاة، وأحيـ ا بهـ ا الله أرض حوران والبلقـاء - الأردن- بل خَرّجت مئات الدعاة والعلماء والخطباء والأدباء والوعاظ والمعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات والمفكرين" ثم ذكر منهم الشيخ العالم حسن حبنّكة الميداني. والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت مفتي الأحناف بدمشق، والشيخ نايف العباس العلامة في التاريخ والفرائض، والشيخ عبدالكريم الرفاعي المربي المعروف، والدكتور محمد أديب الصالح، والدكتور محمد خير عرقسوسي وقد ذكر آخرين اكتفيت منهم بهؤلاء. وهذا عمل جليل في مدة ضعف فيها العلم الشرعي بسبب الاحتلال الأجنبي الكافر لبلاد الشام، ومن قبله كانت الدولة العثمانية في زمن احتضارها فلم تكن تُعنى بالعلوم الشرعية العناية الكافية. ثم قال الشيخ علي الطنطاوي: "وأما مئات العلماء الذين تخرجوا في معاهد (الجمعية الغراء) فأكثر من أن يُحصوا، وهم منتشرون في المدن والأرياف السورية والأردنية والفلسطينية والتركية واللبنانية، تخرجوا في معاهد (الجمعية الغراء) ومدارسها، وملأوا الآفاق، منذ أوائل القرن الماضي حتى يوم الناس هذا". وكان الشيخ يرسل مئات من الطلاب إلى البلدات والقرى لتعليم الناس أمور دينهم خاصة في رمضان. ولم تكتف الجمعية بالتعليم بل كانت مقراتها ملتقيات لرجال السياسة ووجهاء دمشق وعلمائها، وكانت قوائم المرشحين للانتخابات يُتفق عليها فيها. وكانت مدارسه حرباً على الفساد والبدع والخرافات، وهي التي تصدت للمنفرين المنصرين، وكانت حرباً على التعصب المذهبي، وقد كاد الحساد للجمعية واتهموها وشيخها بتهم كثيرة لكن الله نجاه جل جلاله ونجى جمعيته. صفات الشيخ وشمائله: قد كان للشيخ - رحمه الله تعالى- صفات وخصائص وشمائل مكنته من صنع هذا الذي صنعه، وذلك بعد توفيق الله تعالى له، فمن ذلك: 1. الإخلاص: وهو إكسير الأعمال الذي يقلبها ذهباً، وقد كان الشيخ على قدر كبير من الإخلاص - أحسبه كذلك والله حسيبه - ولما سئل عن سبب تأثيره الكبير في سامعيه ذكر - بعد تمنّع - لبعض أحبابه أنه يقوم كل ليلة في السحر يقرأ شيئاً من كتاب الله تعالى بنية أن يغير الله حال سامعيه ويرزقهم الهداية، وهكذا يفعل الإخلاص بأهله. 2. حسن الصلة بالله تعالى: قد كان الشيخ حسن الصلة بالله تعالى - أحسبه كذلك والله حسيبه- فقد كان ذا صلاح وتعبد، وإذا جاء رمضان أوقف الدروس وانصرف إلى العبادة وتلاوة القرآن معتكفاً هو وطلابه في المسجد، وهذه هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته كلها دالة على هذا الأمر الجليل. 3. الورع: كان للشيخ راتب من الأوقاف لكنه لم يكن يأخذ منه شيئاً بل يصرفه في الفقراء والمساكين من طلابه. 4. الجهاد: إضافة إلى جهاد الشيخ العلمي في قضاء ساعات طويلة كل يوم في التربية والتعليم والوعظ فقد شارك في جهاد الفرنسيين بعد أن احتلوا سورية عقب معركة ميسلون سنة 1339/ 1920، وظنوا أن الأمور استتبت لهم ففاجأهم أهل الشام بثورة بعدها كان المحرض عليها هم العلماء، وعلى الأخص الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب. فقد ارتحلوا سنة 1343/ 1924 في رحلة طويلة شملت مدن الشام وقراه من دمشق إلى دُوما ثم النبك فحمص وحماة وحلب، فكانوا كلما وصلوا إلى بلدة أو قرية استقبلوا أحسن استقبال، وخرج أهلها عن بكرة أبيهم لاستقبالهم ثم قصدوا الجامع فتكلموا فيه ووعظوا وحَمّسوا. وأثاروا العزة في النفوس، وحرضوا على الجهاد فكانت هذه الرحلة هي العامل المباشر لقيام الثورة السورية بعد ذلك على الفرنسيين المحتلين كما جاء في التقرير الرسمي لمندوب المفوض الفرنسي ونشرته جريدة الأحرار في بيروت، وهكذا هم المشايخ وهذا هو تأثيرهم إن قاموا بما أوجب الله عليهم القيام به. وكان مما قاله الشيخ علي الدقر في مسجد السنانية في دمشق للمصلين محرضاً على الجهاد: يا إخواننا: اللص دخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم ومالكم وعرضكم. فقال الناس: من هو هذا اللص يا شيخنا؟ فقال: إنه فرنسا!! وقد عرف الفرنسيون أثر الشيخ علي الدقر في إشعال الثورة وطرد الفرنسيين من الشام بعد ذلك، فأحرقوا مقر "الجمعية الغراء" وجامع تِنْكِزْ انتقاماً من الشيخ وتلاميذه، لكن الجمعية أعادت بناء المقر والمسجد على طراز حسن. 5. الجود: كان والداه من أهل الجود والكرم فورث عنهما هذا الخلق الكريم، وورث عنهما مزرعتين في المزة وداريّا، فكان الفقراء والمحتاجون يؤمونهما، فيأخذ كل واحد منهم ما يحتاجه منهما من دون استئذان. وعندما يمد الموائد كان يفرح بازدحام المساكين عليها. وكان الفقراء يزورونه في بيته فيخرجون ومعهم أكياس الحنطة والدقيق والسكر والزبيب والعدس والأرز والشاي والسمن والزيت. وفي أيام الحرب العالمية الأولى حصلت المجاعة فكان الشيخ ينفق إنفاق مَن لا يخشى الفقر. 6. الشعور بحال المسلمين: وهذه الصفة هي التي دفعته دفعاً لعمل شيء للمسلمين ينفعهم، ومن ثَم أنشأ "الجمعية الغراء" لتكوين العلماء العاملين الذين لا تسعفهم أحوالهم وأوضاعهم على طلب العلم، فخرج منها علماء كان لهم أثرهم في مدنهم وبلداتهم وقراهم. وكان يقول إذا رأى طالباً بدون جوربين في البرد: إني أشعر بالبرد في قلبي!! وفي جانب الجهاد من حياته الذي ذكرته من قبل يظهر عظيم شعوره بأحوال المسلمين والاهتمام بشأنهم. 7. شجاعته وقوته: لم يكن للجمعية مقر رسمي إلا المقر الذي اتخذته في أول مدرسة أسستها، وفي سنة 1353/ 1934 استولت الجمعية على مدرسة جامع تِنْكز في قلب دمشق في شارع النصر فصار مقراً لها، وبنت في رحاب المسجد معهد العلوم الشرعية الذي تخرج فيه عدد كبير من العلماء، وثانوية السعادة. وقصة استيلاء الجمعية على مدرسة المسجد تدل على شجاعة الشيخ وقوته، فقد كانت تلك المدرسة "مدرسة صف الضباط" مدرسة عسكرية للفرنسيين، فتحين الشيخ فرصة غياب الطلاب "ضباط الصف" في رحلة خارج دمشق، فأوعز إلى طلابه أن يحتلوها بخطة محكمة نفذت بعد صلاة العشاء. حيث جمع الطلاب كتبهم ومتعلقاتهم واقتحموا المدرسة واحتلوها، ووضعوا الفرنسيين تحت الأمر الواقع خاصة أن الشيخ بدر الدين الحسني ساعده، وقد كان صاحب هيبة عظيمة، وقبول عند الحكام، وهكذا فليكن المشايخ شجاعة وقوة وإقداماً. من اللطائف في حياة الشيخ: كان والد الشيخ علي يشفق على ابنه من شدة محبته للعلم وتعلقه به، ويتمنى لو أنه استمتع بحياته وبالمال الوفير الذي لوالده، وكان الوالد يشكو لصديق له يعمل بقّالاً، وشاء الله - تعالى- أن يمد في عمر البقّال حتى رأى ما وصل إليه الشيخ علي من منزلة علمية رفيعة والتفاف طلبة العلم حوله. وكان يراه من بقالته حيث المسجد قريب منها، فيهتف بأعلى صوته: أين أنت يا أبا صادق - وهذه كنية والد الشيخ علي- لترى العز الحقيقي لابنك الشيخ علي. من المواقف العجيبة في حياته: حكى الشيخ المربي عبدالكريم الرفاعي أنه ذهب يوماً إلى شيخه الشيخ بدر الدين الحسني المحدث من أجل الدرس، وكان قد درس على يديه 17 عاماً، فلما وصل إليه بادره الشيخ بقوله: افتح كتاب كذا صفحة كذا ففعل ثم أمره بوضع علامة على تلك الصفحة، ثم أمره بفتح كتاب آخر وفِعْلِ الشيء نفسه حتى اجتمعت مجموعة من الكتب، ثم أمره أن يذهب بها إلى الشيخ علي الدقر. فلما جاءه وأعطاه الكتب صار الشيخ ينظر في موقع العلامة من كل كتاب وتدمع عيناه، فسأله الشيخ عبدالكريم فقال له: قد جاءتني أسئلة من لبنان صعبة فقلت في نفسي ليس عندي وقت للبحث عن إجاباتها، وأخرج له الأسئلة، ثم قال له: إن إجاباتها كلها مُعَلّم عليها في الكتب التي أرسلها الشيخ بدر الدين، وهذه كرامة باهرة للشيخ بدر الدين حيث لم يطلعه الشيخ علي على الأسئلة!! ومن المواقف الجليلة أنه أتاه أحد الأشخاص يوماً ممن له علاقة بالمحتل الفرنسي بليرات ذهبية أعطاها إياها الفرنسيين ليوصلها إلى الشيخ، فلما رآها الشيخ تألم وتأثر حتى نـ زل الدم من أنفه، وقال: أريد نجاتكم وتريدون ذبحي، ورد المال فلم يقبل منه شيئاً. وكذلك قال الشيخ عبدالكريم الرفاعي أن أمه أتت به إلى الشيخ علي الدقر ليطلب عنده العلم في سن الثالثة عشرة، وكان يمشي على عكازين فصار يجلس عند كرسي الشيخ ويقول في نفسه: هذا مكان مبارك فلعلي أُشفى بالجلوس فيه، فلما انقضت بضعة دروس رجع الشيخ عبدالكريم إلى أمه بدون عكازين وشفاه الله تعالى. من المقولات التي أثنت على الشيخ: قال عنه تلميذه الشيخ المشهور علي الطنطاوي رحمهما الله تعالى: الرجل الذي هز دمشق من أربعين سنة هزة لم تعرف مثلها من مائتي سنة، وصرخ في أرجائها صرخة الإيمان، فتجاوبت أصداؤها في أقطار الشام، واستجاب لها الناس يعودون إلى دين الله أفواجاً، يبتدرون المساجد، ويسبقون إلى حلقاتها. وقال عنه أيضاً: وهو علامة الشام بل هو في الشام علم الأعلام، أُعطي من التوفيق في العمل، والعمق في الأثر ما لم يُعط مثله الشيخ بدر الدين ولا غيره من مشايخ الشام في تلك الأيام. أولاده: كان له ولدان عالمان نجيبان هما: الشيخ عبدالغني الدقر صاحب "معجم النحو"، والشيخ أحمد الدقر. وفاته: توفي الشيخ في دمشق سنة 1362/ 1943، وصلي عليه في الجامع الأموي، ودفن في مقبرة الباب الصغير، رحمه الله وإيانا. ورأس الجمعية من بعده ولده الشيخ أحمد، ثم بعد وفاته رأسها ولده الآخر الشيخ عبدالغني النحوي المعروف رحمة الله عليهم جميعاً.

تابع القراءة>>

الشيخ عبد المنعم أبو زنط

13:37 مساء الأحد, 10 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-07-26 13:37:56

عبد المنعم أبو زنط 1937/9/28 - 2015/7/26 (77 سنة) هو الشيخ عبد المنعم بن رأفت بن محمد بن مطيع بن عبد الرزاق أبو زنط، ينحدر نسبه من عائلة نابلسية تعتبر من اكبر العائلات في نابلس ولها امتداد في طولكرم. يعتبر الشيخ ابو زنط من كبار علماء بلاد الشام، داعية إسلامي بارز، عضو مجلس النوّاب الأردني عدّة مرات، عضو المؤتمر الإسلامي الشعبي في بغداد، أحد قياديي جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، ومن الأعضاء المؤسّسين لحزب جبهة العمل الإسلامي الذي انبثق عن الجماعة في الأردن.

تابع القراءة>>

مروان حديد

17:44 مساء الخميس, 22 رمضان 1436 هـ الموافق 2015-07-09 17:44:31

مروان حديد (1934 - حزيران 1976) هو مؤسس وقائد حركة الطليعة في سوريا، اعتقلته المخابرات الجوية في 30 حزيران سنة 1975 بعد أن قضى عدة سنوات يتنقل في الخفاء هرباً منها، وتوفي في سجن المزة العسكري بعد سنة من اعتقاله في شهر حزيران سنة 1976.

تابع القراءة>>

سليمان الحلبي

22:26 مساء السبت, 10 رمضان 1436 هـ الموافق 2015-06-27 22:26:56

ولد سليمان الحلبي عام 1777م في قرية عفرين إلى الشمال الغربي من مدينة حلب وعاش في حي البياضة بحلب، وقد تعلَّم مهنة الكتابة، وكان أبوه – واسمه محمد أمين - يعمل في مهنة بيع السمن وزيت الزيتون. عندما بلغ الشاب سليمان العشرين من عمره، أرسله أبوه عام 1797 براً إلى القاهرة ليتلقّى العلوم الإسلامية في الأزهر، فاستقر في «رواق الشوام» المخصص للسكن الداخلي لطلبة الأزهر من أبناء بلاد الشام، حيث التعلم والمبيت مع أقرانه الشوام .

تابع القراءة>>

الحافظ ابن عساكر

22:09 مساء السبت, 03 رمضان 1436 هـ الموافق 2015-06-20 22:09:35

أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبدالله بن الحسين ثقة الدين، ناصر السنة، ابن عساكر الدمشقي، المؤرخ الحافظ الرحالة، كان محدّث الديار الشامية ورفيق السمعاني "صاحب الأنساب" في رحلاته. هو علم من أعلام دمشق الكبار أعطاها حياته ورهن نفسه لها حتى آخر رمق لديه، وقدم لها كتابه الشهير "تاريخ دمشق"...

تابع القراءة>>

علامة الشّام عبد القادر بن بدران : 1280هـ / 1864م - 1346هـ / 1928م

18:07 مساء الجمعة, 25 شعبان 1436 هـ الموافق 2015-06-12 18:07:06

هُوَ اَلْإِمَامُ اَلْعَلَّامَة اَلْمُحَقِّقُ، وأحد أعيان علماء المسلمين في القرن الرابع عشر الهجري،‏ اَلشَّيْخُ عَبْدُ اَلْقَادِرِ بْنُ أَحْمَدَ، الملقّب بابن بدران، نسبةً إلى بَدْرَانَ اَلسَّعْدِيّ الجدّ الأكبر للأسرة، وهو حِجَازِيُّ اَلْأَصْلِ من بني سعد. وُلد ابن بدران في أسرة صالحةٍ تقيّة، سنة 1280هـ، وقيل: 1265ﻫ ، وذلك ببلدة دوما, التي تقع بريف دمشق. طَلَبُهُ لِلْعِلْمِ وَمَشَايِخُهُ: مرّت مسيرة ابن بدران في طلب العلم، عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: ببلدته دوما، حيث أُلْحِقَ في صغرهِ بكُتَّابِ الشَّيخِ عدنانَ بنِ محمَّدِ عَدَس في جامع المَسْيَدِ، حيث تعلَّمَ مبادئ القراءةِ والكتابةِ. المرحلة الثّانية: ببلدته دوما كذلك، عند بلوغه سنَّ الرشد، حيث انتقل إلى الجامع الكبير، وتلقّى العلم فيه على يد جَدِّهِ اَلشَّيْخِ مُصْطَفى بدران وكان ضريراً، ثم على يد شيخه الشَيْخِ مُحَمَّدٍ بْنِ عُثْمَانَ اَلْحَنْبَلِيِّ، اَلْمَشْهُورِ بِخَطِيبٍ دُومَا (ت 1308هـ)، فقرأ عليه كتابَ ’مختصرِ الإفاداتِ‘ للعلاَّمة البَلْبانِيِّ الحنبليِّ، وتأثَّرَ بأسلوبِه وطريقتِه. المرحلة الثالثة: مرحلة الرّحلةَ فِي طَلَبِ اَلْعِلْمِ، حيث انتقل إلى دمشق، حاطّاً رحاله بدار الحديث الأشرفيّة، التي كانَ يُقيمُ فيها مُحدِّثُ الشَّامِ العلاَّمَةُ محمَّدُ بدرِ الدِّينِ الحَسَنِيُّ ـ رحمه الله تعالى ـ، فاتَّصلَ به، وأخذَ عنهُ، ومدحَهُ، وأثنى عليهِ، وتلقّى في هذه الدار كذلك عن شَّيْخِ اَلشَّامِ, وَرَئِيسِ عُلَمَائِهَا اَلشَّيْخِ المحدّث سُلَيْمِ بْنِ يَاسِينَ اَلْعَطَّارِ, اَلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَجَازَهُ بِالْحَدِيثِ إِجَازَةً عَامَّةً, وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ 1306 هـ ، كما درس علوم اللغة العربية على يد الشيخ طاهر الجزائري، أحد كبار علماء الشام ومصلحيها. ومن شيوخه اَلْعَلَّامَة مُحَمَّدِ بْنِ مُصْطَفًى اَلطَّنْطَاوِيِّ اَلْأَزْهَرِيِّ, نَزِيلِ دِمَشْقٍ, الّذي تلقّى على يديه علوم اَلْهَيْئَةِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيقَاتِ, كَمَا تتلمذ على اَلشَّيْخِ عَلَاءِ اَلدِّينِ عَابِدِين اَلْحَنَفِيِّ، وكذا عَنْ مُفْتِي اَلْحَنَابِلَةِ اَلشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ حَسَنٍ اَلشَّطِّيِّ، واَلشَّيْخُ مُحَمَّد بْن يَاسِينِ اَلْعَطَّار، واَلشَّيْخُ عُمَر اَلْعَطَّار. ويُذكرُ من شيوخه شَيْخُ اَلْأَزْهَرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْبَابِي (ت: 1313ﻫ)، فإمّا أن يكون ابنُ بدران قد رحلَ إليه في مصرَ، أو أنَّه التقاهُ في دمشقَ، إذ إنَّ شيوخَ الأزهرِ كانوا يتردَّدونَ إلى دمشقَ، لكنْ ممَّا يقوِّي احتمال أخذه عنه في مصر، أنّ ابن بدران ذكر في كتابِه ’المدخل‘ أنَّهُ اطَّلَعَ على بعضِ كتبِ الحنابلةِ في خزانةِ الكتبِ الخديويَّةِ بمصرَ [المدخل: ص 433]. ويبدو أنّ تلقّيه العلوم الشرعيّة عن العلماء، لم يدم فترةً طويلةً، لأنّه كان قد تلقّى نصيحةً عن شيخه خطيبِ دوما، تحضّ على الاجتهاد في القراءة وإرادة الفهم، يقول ابنُ بدران: "وَلَمَّا أَخَذْتَ نَصِيحَتَهُ مَأْخَذَ اَلْقَبُولِ لَمْ أَحْتَجْ فِي اَلْقِرَاءَةِ عَلَى اَلْأَسَاتِذَةِ اَلْعُلُومَ وَالْفُنُونَ، إِلَى أَكْثَرِ مِنْ سِتِّ سِنِينَ" [المدخل: ص 488]. بعد هذه السّنينِ السّتّ، أكبَّ ابن بدران على الكتب ينهل من معينها في كلّ الفنون والعلوم، بيد أنّه أولى عنايةً خاصّةً لعلم أصول الفقه الّذي لم يكن محلّ إقبالٍ من طلاب العلم، بل كان بعض العلماء يُزَهّد فيه، إذ يرى فيه فتحاً لباب الاجتهاد المسدود في نظرهم، يقول: "حَتَّى كُنْتُ أَسْمَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَدَّعِي اَلْعِلْمَ يَقُولُ: مَا ضَرَّ اَلْأُمَّةَ إِلَّا فَنُّ اَلْأُصُولِ; لِأَنَّهُ يَعْلَمُ اَلنَّاظِرُ فِيهِ اَلْأَخْذَ بِالدَّلِيلِ, فَكُنْتُ لَا أَعْبَأُ بِالْوَاشِي, وَلَا أَمِيلُ إِلَى اَللَّاحِي, مَهْمَا كَانَتْ رُتْبَتُهُ, فَشَرَعْتُ بِقِرَاءَةِ " شَرَحِ اَلْوَرَقَاتِ " و" شَرَحِ شَرْحِهَا " لِلْعَبَّادِي, و"حُصُولِ اَلْمَأْمُولِ مِنْ فَنِّ اَلْأُصُولِ ", ثُمَّ بِـ "شَرَحِ جَمْعِ اَلْجَوَامِعِ ", لِلْمُحَلِّي مَعَ مُطَالَعَةِ حَوَاشِيهِ, و"شَرْحِهِ لِلْعِرَاقِيِّ ", و بِـ " شَرَحِ اَلْمِنْهَاجِ " لِلْبَيْضَاوِيِّ, وبـ"شَرْحِ اَلْعَضُدِ عَلَى مُخْتَصَرِ اِبْنِ اَلْحَاجِبِ ", وَبِمُطَالَعَةِ شَرْحِهِ و بِـ "اَلتَّوْضِيحِ شَرْحِ اَلتَّنْقِيحِ ", وَحَاشِيَتِهِ "اَلتَّلْوِيح", و بِـ "شَرَحِ الْمِرْآةِ " مَعَ مُطَالَعَةِ حَوَاشِيهَا, هَذَا مَعَ مَا كُنْتُ أَشْتَغِلُ بِهِ مِنَ اَلْفُنُونِ اَلَّتِي هِيَ مَوَادُّ هَذَا اَلْفَنِّ, وَلَا يَخْفَى مَكَانُهَا وَمَوَادُّ اَلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ" [نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر: 2/473]. حياته العمليّة والعمليّة: بعد أن قضى ابن بدران قرابة ستّ سنواتٍ بدمشق، ينهل من معين علمائها، عاد إلى بلده دومةَ، وبدأ يُلقي دروساً منتظمَةً في جامِعها الكبيرِ، يشرحُ فيها الفقهَ الحنبليَّ من كتابِ ’شرحِ مُنْتهى الإرادات‘ للبهوتيِّ، وذلك إلى أن تعرّض للمحنة التي أدّت إلى نفيه من بلدته إلى دمشق. بعد عودته إلى دوما عقب انجلاء المحنة، أصبح عُضْوًا فِي شُعْبَةِ اَلْمَعَارِفِ، التي تشكَّلَتْ سنة (1309ﻫ) لنشر العلمِ والثَّقافةِ والتَّربيةِ، وشَحْذُ هِمَمِ النَّاسِ على تعليِم أطفالِهم وإرسالِهم إلى الكَتاتيبِ والمدارسِ. وَعُيِّنَ مُصَحِّحًا وَمُحَرِّرًا بِمَطْبَعَةِ اَلْوِلَايَةِ وَجَرِيدَتِهَا. اِشْتَرَكَ فِي عَهْدِ اَلْأَتْرَاكِ بِتَحْرِيرِ جَرِيدَةِ اَلْمُقْتَبَسِ، وَكَتَبَ فِي صُحُفِ دِمَشْقَ كَالْمِشْكَاةِ وَالشَّامِ وَالْكَائِنَاتِ وَالرَّأْيِ اَلْعَامِّ. فِي 9 تِشْرِينَ اَلثَّانِي سَنَةً 1909 م أَيْ سَنَةَ 1329هـ أَنْشَأَ مَجَلَّةَ "مَوَارد اَلْحِكْمَةِ". اشْتَغَلَ بِالتَّدْرِيسِ فِي اَلْجَامِعِ اَلْأُمَوِيِّ, وَأَقَامَ أَكْثَرَ حَيَاَتِهِ يُدَرِّسُ تَحْتَ "قُبَّةِ النَّسْرِ" الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ، وَكَانَ مِمَّا دَرَّسَهُ كِتَابُ "عُمْدَةِ اَلْأَحْكَامِ " لِلْحَافِظِ عَبْدِ اَلْغَنِيِّ اَلْمَقْدِسِيِّ - رَحِمَهُ اَللَّهُ -. يقول اَلْعَلَّامَة مُحَمَّدُ بَهْجَةَ اَلْبَيْطَارُ - رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى - : "وَكَانَ - أَيْ اِبْنُ بَدْرَانَ - يَقْرَأُ دَرْسًا عَامًّا فِي جَامِعِ بَنِي أُمَيَّةَ يَمِيلُ فِيهِ إِلَى اَلتَّجْدِيدِ وَالْفَلْسَفَةِ " [في مقدمة كتاب منادمة الأطلال، لابن بدران]. عيّنه الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله مفتياً للديار الحجازيّة في سوريا، وذلك لشدّة وثوقه واعتماده عليه، يؤكد هذا ما ذكره العلامة خَيْرُ اَلدِّينِ اَلزَّرْكَلِيُّ -رَحِمَهُ اَللَّهُ- من أنّ ابن بدران قد : "وَلِيَ إِفْتَاءَ اَلْحَنَابِلَة". وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ اَلْحَنْبَلِيُّ : "وَكَانَ . . . كَثِيرَ اَلتَّنَقُّلِ بَيْنَ قُرَى غُوطَةِ اَلشَّامِ لِتَبْلِيغِ اَلْعِلْمِ لِلْعَامَّةِ, وَتَعْلِيمِهِ لِلطَّلَبَةِ اَلَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ اَلرِّحْلَةَ . . . وَكَانَ فِيمَا مَضَى يُدَرِّسُ تَحْتَ قُبَّةِ اَلنَّسْرِ فِي اَلْجَامِعِ اَلْأُمَوِيِّ اَلتَّفْسِيرَ وَالْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ, ثُمَّ اِنْتَقَلَ إِلَى مَدْرَسَةِ عَبْدِ اَللَّهِ بَاشَا اَلْعَظْمِ اَلْمُشْرِفَةِ عَلَى اَلْقَلْعَةِ الْفَرَنْسَوِيَّةِ"، والتي مكث فيها ما يقارب نصف قرنٍ من الزمان، يَنَامُ فِيهَا, وَيَعِيشُ مِنْ اَلرَّاتِبِ اَلْمُخَصَّصِ لَهُ مِنْ دَائِرَةِ اَلْأَوْقَافِ. وقد كتب يصف حاله هذه، فِي خَاتِمَةِ اَلْمُجَلَّدِ اَلْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِهِ "مَوَارِدِ اَلْأَفْهَامِ" فقال: "وَهُنَا اِنْتَهَى اَلْمُجَلَّدُ اَلْأَوَّلُ مِنْ "مَوَارِدِ اَلْأَفْهَامِ" عَلَى يَدِ مُنْشِئِهِ اَلْعَاجِزِ اَلْحَقِيرِ اَلْغَرِيبِ فِي أَوْطَانِهِ, اَلسَّاكِنِ مَسَاكِنَ اَلْغُرَبَاءِ, اَلْفَقِيرِ عَبْدِ اَلْقَادِرِ بْنِ أَحْمَدَ اَلشَّهِيرِ كَأَسْلَافِهِ بِابْنِ بَدْرَانَ, وَذَلِكَ فِي مَدْرَسَةِ عَبْدِ اَللَّهِ بَاشَا اَلْعَظْمِ فِي دِمَشْقَ اَلزَّاهِرَةِ". أبرز تلاميذه 1- اَلْعَلَّامَة اَلْأَدِيبُ اَلشَّاعِرُ مُحَمَّدِ سَلِيمِ الْجِنْدِيُّ . مِنْ أَعْضَاءِ اَلْمَجْمَعِ اَلْعِلْمِيِّ بِدِمَشْقَ, تُوُفِّيَ سَنَةَ 1357 هـ . 2- اَلشَّاعِرُ اَلْأَدِيبُ مُحَمَّدُ مَحْمُودِ اَلْبَزْمِ، اَلدِّمَشْقِيُّ اَلْمَوْلِدِ وَالْوَفَاةِ, اَلْعِرَاقِيُّ اَلْأَصْلِ, تُوُفِّيَ سَنَةَ 1357 هـ تَرْجَمَ لَهُ اَلزَّرْكَلِيُّ فِي "اَلْأَعْلَامُ" (7 /91 ) وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ أَخَذَ عَنْ اِبْنِ بَدْرَانَ . 3- فَخْرِي بْنُ مَحْمُودِ اَلْبَارُودِيِّ . مِنْ رِجَالِ اَلسِّيَاسَةِ, تُوُفِّيَ سَنَةَ 1386 هـ كَمَا فِي اَلْمُسْتَدْرِكِ عَلَى مُعْجَمِ اَلْمُؤَلِّفِينَ ص 544. 4- مُنِيفُ بْنُ رَاشِدِ اَلْيُوسُفِ، اِبْنُ أَخِ اَلْوَزِيرِ أَمِيرِ اَلْحَجِّ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بَاشَا اَلْيُوسُفِ. 5- اَلْعَلَّامَة اَلشَّيْخُ مُحَمَّدُ صَالِحِ اَلْعَقَّادِ اَلشَّافِعِيُّ: اَلَّذِي كَانَ يُقَالُ عَنْهُ "اَلشَّافِعِيُّ اَلصَّغِيرُ" تُوُفِّيَ سَنَةَ 1309 هـ. 6- اَلْعَلَّامَة اَلشَّيْخُ مُحَمَّدُ أَحْمَدِ دَهْمَانَ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ تَلَامِيذِ اِبْنِ بَدْرَانَ, فَقَدْ تَرَكَ فِيهِ أَبْلَغَ اَلْأَثَرِ وَزَرَعَ فِيهِ مَحَبَّةَ اَلْعِلْمِ وَالْإِصْلَاحِ, وَقَدْ أَسَّسَ فِي حَيَاةِ شَيْخِهِ اَلْمَطْبَعَةَ وَالْمَكْتَبَةَ اَلسَّلَفِيَّةَ بِدِمَشْقَ, حَيْثُ طَبَعَ بَعْضَ مُؤَلَّفَاتِ شَيْخِهِ اِبْنِ بَدْرَانَ، وَتَرَكَ مُؤَلَّفَاتٍ وَتَحْقِيقَاتٍ عَدِيدَةً خَصَّ بَلَدَهُ دِمَشْقَ بِمَزِيدٍ مِنْهَا . تُوُفِّيَ -رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى- سَنَةَ 1408 هـ. 7- المؤرخ خير الدين الزركلي ، صاحب كتاب الأعلام. صِفَاتُهُ وَثَنَاءُ اَلْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ قَالَ اَلْعَلَّامَة خَيْرُ اَلدِّينِ اَلزِّرِكْلِيّ : "فَقِيهٌ أُصُولِيٌّ حَنْبَلِيٌّ, عَارِفٌ بِالْأَدَبِ وَالتَّارِيخِ . . . حَسَنَ اَلْمُحَاضَرَةِ, كَارِهًا لِلْمَظَاهِرِ, قَانِعًا بِالْكَفَافِ, لَا يُعْنَى بِمَلْبَسٍ أَوْ بِمَأْكَلٍ, يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالْحِنَّاءِ, ... ضَعُفَ بَصَرُهُ قَبْلَ اَلْكُهُولَةِ, وَفُلِجَ فِي أَعْوَامِهِ اَلْأَخِيرَةِ، وَلِيَ إِفْتَاءَ اَلْحَنَابِلَةِ". وَقَالَ اَلْعَلَّامَة اَلشَّيْخُ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ خَلَفٍ بْنُ دِحْيَان اَلْحَنْبَلِيّ - رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى- : "اَلْعَلَّامَة اَلشَّيْخُ عَبْدُ اَلْقَادِرِ بْنُ أَحْمَدَ بَدْرَانَ, مُدَرِّسُ اَلْجَامِعِ اَلْأُمَوِيِّ, وَشَيْخُ اَلْحَنَابِلَةِ فِي اَلْبِلَادِ اَلسوْرِيَّةِ, وَمُحَدِّثُ اَلشَّامِ, وَأَحَدُ أَعْضَاءِ اَلرِّئَاسَةِ اَلْعِلْمِيَّةِ بِدِمَشْقَ" [علامة الكويت الشيخ عبد الله الدحيان، للشيخ محمد بن ناصر العجمي]. عَقِيدَتُهُ: عَاشَ اَلْعَلَّامَة اِبْنُ بَدْرَانَ فِي بِيئَةٍ صوفيّةٍ, يفشو فيها َالْجَهْلَ, حتّى كان بعض من تلقّى عنهم ذوي مسلكٍ صوفيٍّ، وكانت له رحلةٌ في طريق الهداية، شبيهةٌ برحلة الإمام أبي حامد الغزاليّ، بيد أنّه وُفّق فيها إلى اتّباع طريق السّلف، يصف هذه الرحلة بقوله: "إِنَّنِي لَمَّا مَنَّ اَللَّهُ عَلِيَّ بِطَلَبِ اَلْعِلْمِ, هَجَرْتُ لَهُ اَلْوَطَنَ وَالْوَسَنَ, وَكُنْتُ أُبَكِّرُ فِيهِ بُكُورَ اَلْغُرَابِ, وَأَطُوفُ اَلْمَعَاهِدَ لِتَحْصِيلِهِ, وَأَذْهَبُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ, وَأَتَّبِعُ فِيهِ كُلَّ شِعْبٍ وَلَوْ كَانَ عَسِرًا, أُشْرِفُ عَلَى كُلِّ يِفَاعٍ, وَأَتَأَمَّلُ كُلّ غَوْرٍ, فَتَارَةً أُطَوِّحُ بِنَفْسِي فِيمَا سَلَكَهُ اِبْنُ سِينَا فِي " اَلشِّفَا" و "اَلْإِشَارَاتِ" وَتَارَةً أَتَلَقَّفُ مَا سَبَكَهُ أَبُو نَصْرٍ اَلْفَارَابِيِّ مِنْ صِنَاعَةِ اَلْمَنْطِقِ وَتِلْكَ اَلْعِبَارَاتُ, وَتَارَةً أَجُولُ فِي مَوَاقِفِ "اَلْمَقَاصِدِ", و "اَلْمَوَاقِفِ", وَأَحْيَانًا أَطْلُبُ "اَلْهِدَايَةَ" ظَنًّا مِنِّي أَنَّهَا تَهْدِي إِلَى رُشْدٍ, فَأَضُمُّ إِلَيْهَا مَا سَلَكَهُ اِبْنُ رُشْدٍ, ثُمَّ أُرَدِّدُ فِي اَلطَّبِيعِي وَالْإِلَهِيِّ نَظَرًا, وَفِي تَشْرِيح اَلْأَفْلَاكِ أَتَطَلَّبُ خُبْرًا أَوْ خَبَرًا, ثُمَّ أَجُولُ فِي مَيَادِينِ اَلْعُلُومِ مُدَّةً كَعَدَدِ اَلسَّبْعِ اَلْبَقَرَاتِ اَلْعِجَافِ, فَارْتَدَّ إِلَيَّ اَلطَّرْفُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ, وَلَمْ أَحْصُلْ مِنْ مَعْرِفَةِ اَللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ إِلَّا عَلَى أَوْهَامٍ وَخَطَرَاتٍ, ... فَلَمَّا هِمْتُ فِي تِلْكَ اَلْبَيْدَاءِ، ...؛ نَادَانِي مُنَادِي اَلْهُدَى اَلْحَقِيقِيُّ : هَلُمَّ إِلَى اَلشَّرَفِ وَالْكَمَالِ, وَدَعْ نَجَاةَ اِبْنِ سِينَا اَلْمَوْهُومَةَ إِلَى اَلنَّجَاةِ اَلْحَقِيقِيَّةِ, وَمَا ذَلِكَ إِلَّا بِأَنْ تَكُونَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ اَلسَّلَفُ اَلْكِرَامُ مِنْ اَلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ." [المدخل: ص 42 ـ 43]. ويقول الشيخ محمود الأرناؤوط: "كان حرباً على أصحاب الطرق الصُّوفية فحملوا عليه وحاربوه، فانتصر له جمعٌ من العلماء في الشَّام ممن كانوا يرون أنه على حق، أمثال العلاّمة الشيخ جمال الدين القاسمي، والعلاَّمة الشيخ طاهر الجزائري، وكانا يحثان الناشئة على حضور مجالسه والاغتراف من زاده العلمي". مذهبُه الفقهيُّ: يروي محمد بن سعيد الحنبلي, عمّن وصفهم ببعض الخواصّ، عن ابن بدران، أنّه قال: "كُنْتُ فِي أَوَّلِ عُمْرِي مُلَازِمًا اَلْإِمَامَ اَلشَّافِعِيَّ -رَحِمَهُ اَللَّهُ- سَالِكًا فِيهِ سَبِيلَ اَلتَّقْلِيدِ, ثُمَّ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيَّ فَحَبَّبَ إِلَيَّ اَلِاطِّلَاعَ عَلَى كُتُبِ اَلتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَشُرُوحهَا وَأُمَّهَاتِ كُتُبِ اَلْمَذَاهِبِ اَلْأَرْبَعَةِ, وَعَلَى مُصَنَّفَاتِ شَيْخِ اَلْإِسْلَامِ وَتِلْمِيذِهِ اَلْحَافِظِ اِبْنِ اَلْقَيِّمِ, وَعَلَى كُتُبِ اَلْحَنَابِلَةِ, فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَتَحَ اَللَّهُ بَصِيرَتِي وَهَدَانِي لِلْبَحْثِ عَنْ اَلْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَحَزُّبٍ لِمَذْهَبٍ دُونَ مَذْهَبٍ, فَرَأَيْتُ أَنَّ مَذْهَبَ اَلْحَنَابِلَةِ أَشَدُّ تَمَسُّكًا بِمَنْطُوق اَلْكِتَابِ اَلْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ اَلْمُطَهَّرَةِ وَمَفْهُومِهَا, فَكُنْتُ حَنْبَلِيًّا مِنْ ذَلِكَ اَلْوَقْتِ" [في آخر المدخل]. ويرى الشيخ نور الدين طالب الدّوميّ –خلافاً لما ذهب إليه محمد بن سعيد- أنّ ابن بدران قد نشأ حنبليّاً في بلدةٍ حنبليّة، وليس صحيحاً ما ذهب إليه البعض من أنه كان شافعياً فتحنبل، وعلى أيّ حالٍ فلا ريبَ أنّ لنشأة ابن بدران في دوما تأثيراً على توجّهه الحنبليّ، إذ كان هو المذهب الغالب في بلدته، حتّى إنها أنجبت جماعةً من علماء هذا المذهب، حتّى إنّ ابن بدران أشار إلى بعضهم في كتابه المدخل، حيث ذكر منهم "الْعَلامَة الْفَاضِل الشَّيْخ مصطفى الدومي الْمَعْرُوف بالدُّوماني ثمَّ الصَّالِحِي، ثمَّ مفتي رواق الْحَنَابِلَة فِي مصر"، ولا ننسى كذلك أنّ شيخه الّذي تلقّى عليه العلم في دوما، والّذي يَدينُ له ابن بدران بالفضل الكبير في حياته العلميّة، هو الشيخ الحنبليّ محمد عثمان الملقّب بخطيب دوما، إذن فلا ريب أنّ ابن بدران قد نشأ في بيئةٍ حنبليّة، ولا بدّ من تأثيرها في توجّهه المذهبيّ، بيد أنّه انتقل في المرحلة الثالثة، من مراحل طلبه للعلم، إلى دمشق، التي يقلّ فيها أتباع المذهب الحنبليُّ، فربّما أنّه بعد ما تحنبل في بلدته تشفّعَ في دمشق، ومن ثَمّ تحنبل مرّةً أخرى. وَقَدْ قَامَ ابن بدران ـ رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعَالَى ـ بِخِدْمَةِ اَلْمَذْهَبِ اَلْحَنْبَلِيِّ وَكُتُبِهِ خِدْمَةً جَلِيلَةً بِتَأْلِيفٍ مَاتِعٍ أَلَا وَهُوَ "اَلْمَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ اَلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" في بيئةٍ قلّ فيها تابعو هذا المذهب، وقد قال هو عن ذلك متأسّفاً: "تَمْضِيَ عَلِيَّ اَلشُّهُورُ بَلِ اَلْأَعْوَامُ, وَلَا أَرَى أَحَدًا يَسْأَلُنِي عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي مَذْهَبِ اَلْإِمَامِ أَحْمَدَ; لِانْقِرَاضِ أَهْلِهِ فِي بِلَادِنَا, وَتَقَلُّصِ ظِلُّهِ مِنْهَا"، ولذا فقد كان محبّاً لأهل نجدٍ ولدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتّى إنّه في سياق "كتاب المدخل" يُعزّي نفسه لحال كونه يكتب في بيئةٍ مجافيةٍ لمنهج السلف، فيقول متسلّياً: "وَلَوْلَا أَمَلِي بِنَفْعِ سُكَّانِ جَزِيرَةِ اَلْعَرَبِ مِنَ اَلْحَنَابِلَةِ؛ لَمَّا حَرَّكْتُ ـ فِيمَا رَأَيْتُ مِنْ اَلْفَوَائِدِ قَلَمًا-, وَلَا خَاطَبْتُ رَسْمًا مِنْهَا وَلَا طَلَلاً, وَلَكِنْ إِنَّمَا اَلْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ, وَاَللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى اَلسَّرَائِرِ" [المدخل: ص 423]. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَفْضَلِ اَلْحَنَابِلَةِ اَلنَّجْدِيِّينَ, قد زاروه وَطَلَبُوا مِنِّه أَنْ يخْتَارَ لَهُمْ كِتَابًا فِي أُصُولِ مَذْهَبِ الإمام أحمد، فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى كِتَابِ "رَوْضَةِ اَلنَّاظِرِ وَجَنَّةِ اَلْمَنَاظِرِ" لمُوَفَّقِ اَلدِّينِ ابْنِ قُدَامَةَ فقَبِلُوا اِخْتِيَارَهُ، ثمّ أَلَحُّوا بِأَنْ يكْتُبَ عَلَيْهِ تعليقاً يُقرّبه للطالبين، فكتبه، ثم لَمَّا رَأَى اِهْتِمَامَهُمْ بِالْفَرَائِضِ أَلَّفَ كِتَابَهُ "الْبَدْرَانِيُّةُ شَرْحُ اَلْمَنْظُومَةِ الفَارِضِيَّةِ" وَقَدْ طُبِعَ عَلَى نَفَقَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ القَرْعَاوِيّ. وكان اَلْمَلِكَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ بْنِ سُعُودٍ رحمه الله يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي مُحَارَبَةِ اَلْبِدَعِ، وَقَدْ أَمَرَ بِطَبْعِ شَرْحِه لِلرَّوْضَةِ عَلَى نَفَقَتِهِ, وَذَلِكَ سَنَةِ 1342هِـ. صلاته وعلاقاته: عُرِفَ ابنُ بدرانَ بحبِّ العُزلةِ والانفرادِ، وذلكَ بعدَ تَواصُلِ المِحَنِ عليهِ، وحَسَدِ كثيرٍ من مُعاصريهِ لهُ. ومعَ هذِه العُزلةِ فقدْ كانتْ لهُ صِلاتٌ جيِّدةٌ بجماعةٍ من العلماءِ والأدباءِ، والحُكَّامِ والسِّياسِيِّينَ، ومنهم: أولاً: علامة الكويت اَلشَّيْخِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ دِحْيَانَ، كَانَت لَهُ به صِلَةٌ مودّةٍ وثيقةٍ, توطّدت من خلال مُرَاسَلَاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَمُذَاكَرَاتٍ فِقْهِيَّةٍ ورسائل وُدّية, وكان من ثمرة هذه العلاقة مُؤَلَّفٌ مُسْتَقِلٌّ أَلَّفَهُ اِبْنُ بَدْرَانَ جَوَابًا عَلَى أَسْئِلَةِ اِبْنِ دِحْيَانَ عَلَّامَة اَلْكُوَيْتِ، رَحِمَ اَللَّهُ اَلْجَمِيعِ . ثانياً: الْأَمِير عَبْدِ اَلْقَادِرِ اَلْجَزَائِرِيِّ, الّذي اتّصل بابن بدران، واصطحبه فِي رِحْلَتِهِ إِلَى أُورُبَّا وَالْمَغْرِبِ, والتي دامت سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ذَكَرَها ابن بدران فِي كِتَابِهِ "تَسْلِيَةِ اَللَّبِيبِ" وصاغَ مذكِّراتِهِ فيها شِعْراً أودَعَهُ ديوانَه: ’تَسْليةُ اللَّبيبِ‘. ثالثاً: الوجيه محمودٌ الباروديُّ ـ أحدُ رجالِ السِّياسةِ والتِّجارةِ في سوريَّةَ الذي نزلَ ابنُ بدرانَ في ضِيافتِهِ سنتينِ ونِصْفَ السَّنَةِ بعدَ نفيه من بلدته دوما وهجرتِه إلى دمشقَ. رابعاً: العلامة المصلح المفسّر المحدّث محمد جمال الدين القاسميّ، ويقول اَلْعَلَّامَة اَلشَّيْخُ مُحَمَّدُ بَهْجَةِ اَلْبَيْطَارِ فِي كَلَامِهِ عَنْ شَيْخِهِ جَمَالِ اَلدِّينِ اَلْقَاسِمِيِّ وَابْنِ بَدْرَانَ : "وَكَانَتْ صِلَتُهُ - أَيْ اِبْنُ بَدْرَانَ - بِالسَّيِّدِ اَلْقَاسِمِيِّ حَسَنَةً, وَكَانَ لَهُ وَلِشَيْخِنَا اَلْقَاسِمِيِّ أَمَلٌ كَبِيرٌ, وَسَعْيٌ عَظِيمٌ فِي تَجْدِيدِ اَلنَّهْضَةِ اَلدِّينِيَّةِ اَلْعِلْمِيَّةِ فِي هَذِهِ اَلدِّيَارِ, فَقَدْ أَشْبَهَا -رَحِمهُمَا اَللَّهُ تَعَالَى- أَئِمَّةَ اَلسَّلَفِ تَعْلِيمًا لِلْخَوَاصِّ, وَإِرْشَادًا لِلْعَوَامِّ, وَتَأْلِيفًا لِلْكُتُبِ اَلنَّافِعَةِ, وَزُهْدًا فِي حُطَامِ اَلدُّنْيَا اَلزَّائِلَةِ " . خامساً: وأميرُ الحَجِّ وصَدْرُ سوريَّةَ الأميرُ عبدُ الرحمنِ باشا اليوسفُ (ت: 1339ﻫ)، وتَوَّجَ ابنُ بدرانَ صِلتَهُ بهِ بأنْ أَلَّفَ كتاباً في سيرتِه سمَّاهُ: ’الكَواكب الدُّرِّيَّة في تاريخِ عبدِ الرَّحمنِ باشا اليُوسُفِ صَدْرِ سوريَّةَ‘، وطُبع في مطبعةِ الفيحاءِ بدمشقَ سنة (1339ﻫ). سادساً: العَلاَّمَةُ الرُّحَلَةُ الأستاذُ خليلُ بنُ بدرٍ الخالديُّ المقدسيُّ (ت: 1360ﻫ) الَّذي كانَ أُعجوبةً في معرفةِ المخطوطاتِ وأماكنِ وجودِها. يقول العلامة محمد بهجة البيطار: "وَكَانَ لِي شَرَفُ ضِيَافَةِ اَلْأُسْتَاذِ اَلْمُتَرْجَمِ - أَيْ اِبْنِ بَدْرَانَ - لَيْلَةً مَعَ صَدِيقِهِ اَلرَّحَّالَةِ اَلْجَلِيلِ اَلْأُسْتَاذِ خَلِيلِ اَلْخَالِدِيِّ اَلْمَقْدِسِيِّ فَأَخَذَ اَلْأُسْتَاذُ بَدْرَانَ يَسْأَلُهُ عَمَّا رَأَى مِنْ نَفَائِسِ اَلْكُتُبِ اَلْإِسْلَامِيَّةِ اَلْخَطِّيَّةِ فِي دِيَارِ اَلْمَغْرِبَ لَاسِيَّمَا اَلْأَنْدَلُسَ, وَالْأُسْتَاذُ اَلْخَالِدِيُّ يُجِيبُهُ مِنْ حِفْظِهِ بِلَا تَلَعْثُمٍ وَلَا تَرَيُّثَ كَأَنَّمَا يُمْلِي مِنْ كِتَابٍ, وَقَدْ كُنْتُ مُعْجَبًا بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ غَايَةَ اَلْإِعْجَابِ ". سابعاً: الملكُ عبدُ العزيزِ آل سعودِ ـ رحمه الله ـ، وأهداهُ كتابَه: ’نُزْهَة الخاطِرِ العاطِر شرح رَوْضَةِ النَّاظِر‘، فأمرَ الملكُ عبدُ العزيزِ بطبعِ الكتابِ على نفقتِهِ، كما كانَ الملكُ عبدُ العزيزِ يرسلُ لابنِ بدرانَ جماعاتٍ من أهلِ نجدٍ، يستفيدونَ منه، وينهَلُونَ من علمِهِ، وإن كانت المصادر لا تُفيد بأنّهما قد التقيا. شَكْوَاهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ: اُبْتُلِيَ اِبْنُ بَدْرَانَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ اِبْتِدَاءً مِنْ أَهْلِ بَلْدَتِهِ دُومَا, اَلَّتِي أَخْرَجَهُ أَهْلُهَا مِنْهَا بَعْدَ أَنْ عَادَ إِلَيْهَا مِنْ سَفَرِهِ إِلَى أُورُبَّا وَالْمَغْرِبِ. وعن أسباب إخراجه من دوما، يذكر فَخْرِيُّ اَلْبَارُودِيُّ فِي "مُذَكِّرَاتِهِ" عن ابن بدران أنّه كان "لَا يَهَابُ أَحَدًا, فَوَقَعَتْ مَرَّةً مُشَادَّةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَئِيسِ بَلَدِيَّةِ دُومَا صَالِحِ طَه, وَتَبَادَلاَ اَلْهِجَاءَ, وَعَلَى اَلْإِثْرِ اِسْتَصْدَرَ طَه مِنَ اَلْوَالِي أَمْرًا بِإِبْعَاد اَلشَّيْخِ بَدْرَانَ عَنْ دُومَا, فَانْتَقَلَ إِلَى دِمَشْقَ"، وكان هذا النفي لمدّة سنتين . كَمَا أَنَّ اِبْنَ بَدْرَانَ اِشْتَكَى مِنَ اَلْجَهَلَةِ اَلْمُتَعَالِمِينَ فِي زَمَانِهِ فَقَالَ : "وَمِمَّا اُبْتُدِعَ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ أَهْلَ اَلْعَمَائِمِ, فَيَنْتَخِبُونَ مُفْتِيًا, وَيَحْصُرُونَ اَلْفَتْوَى فِيهِ, فَكَثِيرًا مَا يَنَالُ هَذَا اَلْمَنْصِبَ اَلْجَاهِلُ اَلْغَمْرُ اَلَّذِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ عِبَارَةُ بَعْضِ كُتُبِ اَلْفُرُوعِ مَا عَرَفَ لَهَا قَبِيلاً مِنْ دَبِيرٍ, فَنَسْأَلُ اَللَّهَ حُسْنَ اَلْعَافِيَةِ، وَقَالَ يصف حالَ العلمِ في زمانه أنّه أصبح: "جَدَاوِلَ بِلَا مَاءٍ وَخِلَافًا بِلَا ثَمَرٍ, وَعَمَائِمَ كَالْأَبْرَاجِ, وَأَكْمَامٍ كَالْأَخْرَاجِ, وَالْعَلَمُ عِنْدَ اَللَّهِ تَعَالَى" [العقود الياقوتية: ص 106]. مَحَبَّتُهُ لِوطنه: أَحَبَّ اِبْنُ بَدْرَانَ دِمَشْقَ - حَمَاهَا اَللَّهُ وَسَائِرَ بِلَادِ اَلْإِسْلَامِ - فَقَامَ بِخِدْمَتِهَا, وَأَلَّفَ كِتَابًا فِي مَدَارِسِهَا, كَمَا أَنَّهُ هَذَّبَ (تَارِيخُ دِمَشْقَ) لِابْنِ عَسَاكِرَ حَيْثُ يَقُولُ فِي مَطْلَعِ اَلْمُجَلَّدِ اَلْأَوَّلِ : ". . . وَأَرْجُو اَللَّهَ أَنْ يَكُونَ كِتَابًا أَخْدُمُ بِهِ أَهْلِ اَلْوَطَنِ, وَهَدِيَّةً لِمُحِبِّي اَلْعِلْمِ اَلنَّاهِجِينَ فِيهِ عَلَى أَقْوَمَ سُنَنٍ . . . " . كَمَا أَلَّفَ أَيْضًا فِي اَلْمُفْتِينَ بِالشَّامِ كِتَابًا سَمَّاهُ : (اَلرَّوْضُ البَّسَّامُ فِي تَرَاجِمِ اَلْمُفْتِينَ بِدِمَشْقِ اَلشَّامِ)، وَحِينَمَا كَانَ فِي اَلْجَزَائِرِ مِنْ بِلَادِ اَلْمَغْرِبِ اَلْإِسْلَامِيِّ أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى بَلْدَتِهِ دُومَا يذكر مرابعها، ويُعبِّر عن شوقه إليها. شِعْرُهُ : كَانَ شَاعِرًا وَأَدِيبًا وَقُطْبًا وَعَالِمًا فَذًّا بَلِيغًا، وقد شَمِلَ شعرُ ابنِ بدرانَ فُنونَ الشِّعرِ كُلَّها؛ كالمديحِ والغَزَلِ والوَصْفِ والرِّثاءِ والهِجاءِ والحِكْمَةِ والمُراسلاتِ، وغيرِها. كما نَرى فيه جمالَ صنعةِ الشِّعرِ من تَوْرِيَةٍ وجِناسٍ وطِباقٍ وتَشْطيرٍ وتَخْميسٍ وتَطْريزٍ ومُوَشَّحاتٍ وتَضْمينٍ وإجازاتٍ، وغيرِ ذلكَ، ونقرأ في مقدمة ديوانه هذه الديباجة اللطيفة: ". . . لَمَّا كَانَتْ بَنَاتُ اَلْأَفْكَارِ أَغْلَى مِنْ بَنَاتِ اَلْأَبْكَارِ, وَمَحَاسِنُ اَلتَّشْبِيهِ رِيَاضَ اَلْأَدِيبِ اَلنَّبِيهِ, وَبَدَائِعُ اَلْبَدِيعِ أَبْدَعَ مِنْ أَزْهَارِ اَلرَّبِيعِ, وَتَذَكُّرُ اَلدِّمَنِ وَالْمَنَازِل أَسْكَرَ مِنْ اِحْتِسَاءِ اَلْبَلَابِلِ, وَأَسْحَرَ مِنْ سِحْرِ بَابِلَ, وَالْغَزْلُ وَالنَّسِيبُ نَسِيبِينَ لِذِكْرَى حَبِيبٍ, وَشَكْوَى اَلْأَرَقِ وَالْهَجْرِ أَرَقَّ مِنْ نَسِيمِ اَلْفَجْرِ . . . " . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِنَايَتِهِ بِالشعر أَنَّهُ أَلَّفَ كِتَابًا أَسْمَاهُ : "اَلْمَنْهَلُ اَلصَّافِي " فِي شَرْحِ اَلْكَافِي فِي اَلْعَرُوضِ وَالْقَوَافِي". مكتبته: يقول الشيخ نور الدين طالب الدوميّ: "امتلكَ ابنُ بدرانَ مكتبةً علميَّةً جَيِّدَةً، تضمُّ نفائسَ المخطوطاتِ، وخاصَّةً في المذهبِ الحنبليِّ، وَرِثَ بعضَها عن جَدَّهِ لأُمِّهِ الشَّيخِ الفقيهِ أحمدَ بنِ مصطفى بنِ حسينٍ النَّعْسان (ت: 1281ﻫ)، وبعضُها الآخَرُ تَمَلَّكَهُ لنفسِهِ، أو وُهِبَ لهُ. ثمَّ إنَّه لمَّا حَصَلَتْ لهُ تلكَ الفتنةُ المُظْلِمَةُ في بلدِه، وهاجَ عليهِ جَهَلَةُ الخَلْقِ، واستَعْدَوْا على مكتبتِهِ، فأحرقوا ما وجدوهُ فيها ـ كما حدَّثني بذلكَ بعضُ كبارِ السِّنِّ في دومةَ ـ، ولذلكِ حُقَّ لهُ أنْ يَصِمَهُم بالحُمُر المستنفِرَةِ، ويَصُبَّ جامَ غضبِهِ عليهمْ في ديباجةِ كتابهِ ’المُنادَمَةِ‘. وما بقي معَه من مكتبتِه احتملَه إلى دمشقَ، وأَوْدَعَهُ غُرْفَتَهُ إلى آخرِ حياتِهِ، ثمَّ إنَّ مكتبتَهُ بعدَ وفاتِه قدْ صارتْ لعدَّةِ أشخاصٍ، منهم: الشَّيْخُ عبدُ الغَنِيِّ بنُ إبراهيمَ الدُّرَّة الدُّوميُّ، وكانَ بعضُها منْ نصيبِ الأستاذِ شامِل الشاهين، منها خمسةٌ من مُؤَلَّفاتِ ابنِ بدرانَ بخطِّهِ، ومنهمُ الأستاذُ محمَّدُ بنُ سعيدٍ العُمَانيُّ الحنبليُّ، حيثُ قالَ في ترجمةِ ابنِ بدرانَ بعدَ ذكرِ كتبِهِ: ’هذا سوى ما لديَّ منَ الرَّسائلِ والفَتاوى منْ أصنافِ العلومِ، مِمَّا لو جُمِعَ لَبَلَغَ مُجَلَّداتٍ، وما كانَ يقعُ في كُرَّاسٍ أو كُرَّاسَيْنِ أضرَبْنا عنهُ خوفَ الإطالةِ‘. قلتُ: وليتَهُ لمْ يَخَفْ منْ هذهِ الإطالَةِ، فلقدْ حَرَمَنا هذا الخوفُ كثيراً منَ النَّفائِس. وصارَ جُزْءٌ آخَرُ بحَوْزَةِ الأستاذِ الشَّيْخِ مُحَمَّد زُهَيْر الشَّاويش، في مكتبتِهِ في بيروتَ. أقولُ: ولا زِلْتُ أسمعُ بوجودِ كتبٍ أُخرى من مكتبةِ ابنِ بدرانَ لَدَى بعضِ الأُسرِ في دومةَ، ولكنْ لمْ أستطعِ الوصولَ إلى شيءٍ ملموسٍ في الواقعِ، فاللَّهُ يُيسره بفضلِهِ وَمَنِّهِ". مُؤَلِّفَاتُهُ جَادَتْ قَرِيحَةُ اَلْعَلَّامَة اِبْنِ بَدْرَانَ بِمُؤَلِّفَاتٍ جَلِيلَةٍ, وَمُصَنَّفَاتٍ مُفِيدَةٍ, بلغت قرابة الخمسين مصنّفاً، فمن أبرزها: 1- إِيضَاحُ اَلْمَعَالِمِ مِنْ شَرْحِ اَلْعَلَّامَة اِبْنِ اَلنَّاظِم ِ، وَهُوَ شَرْحٌ عَلَى أَلْفِيَّةِ اِبْنِ مَالِكٍ فِي اَلنَّحْوِ .يَقَعُ فِي ثَلَاثَةِ أَجْزَاء ٍ. 2- جَوَاهِرُ اَلْأَفْكَارِ وَمَعَادِنُ اَلْأَسْرَارِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ اَلْعَزِيزِ اَلْجَبَّارِ، ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ "اَلْمَدْخَلُ" ص 447، وَهُوَ لَمْ يُكْمَلْ, وَأَخْبَرَنِي اَلشَّيْخُ زُهَيْرُ اَلشَّاوِيشِ أَنَّهُ يَطْبَعُ اَلْمَوْجُودَ مِنْهُ وَهُوَ جُزْءٌ لَيْسَ بِالْكَبِيرِ . 3- حَاشِيَةٌ عَلَى أَخْصَرِ اَلْمُخْتَصَرَاتِ لِلْبَلْبَانِيِّ . 4- حَاشِيَةٌ عَلَى شَرْحِ مُنْتَهَى اَلْإِرَادَاتِ . يَقَعُ فِي جُزْئَيْنِ, وَصَلَ فِيهِ إِلَى بَابِ اَلسَّلَمِ . 5- "حَاشِيَةُ اَلرَّوْضِ اَلْمُرْبِعِ شَرْحِ زَادِ اَلْمُسْتَقْنِعِ" . اَلْجُزْءُ اَلْأَوَّلُ; مَخْطُوطٌ . 6- دِيوَانُ تَسْلِيَةِ اَللَّبِيبِ عَنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ . مَخْطُوطٌ . 7- ذَيْلٌ عَلَى طَبَقَاتِ اَلْحَنَابِلَةِ لِابْنِ اَلْجَوْزِيِّ ذَكَرَهُ نَاشِرُ اَلْكَوَاكِبِ اَلدُّرِّيَّةِ فِي فِهْرِسِ مُؤَلَّفَاتِ اِبْنِ بَدْرَانَ اَلْمَذْكُورَةِ عَلَى طُرَّة اَلْكِتَابِ . 8- سَبِيلُ اَلرَّشَادِ إِلَى حَقِيقَةِ اَلْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ . جُزْءَانِ, ذَكَرَهُ اَلْعُمَانِيُّ فِي آخِرِ " اَلْمَدْخَلُ" ص ب, وَالْبَيْطَارُ فِي مُقَدِّمَةِ "مُنَادَمَةُ اَلْأَطْلَالِ" ص (ن) . 9- شَرْحُ سُنَنِ النَّسَائِيُّ. ذَكَرَهُ فِي " اَلْمَدْخَلُ " ص 477 و " كِفَايَةُ اَلْمُرْتَقِي " ص 52 . 9- شَرْحُ نُونِيَّةِ اِبْنِ اَلْقَيِّمِ . أَشَارَ إِلَيْهِ فِي " اَلْمَدْخَلُ " ص 61 و " كِفَايَةُ اَلْمُرْتَقِي " ص 52 . 10- اَلْمَدْخَلُ إِلَى مَذْهَبِ اَلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. 11- مَوَارِدُ اَلْأَفْهَامِ عَلَى سَلْسَبِيلِ عُمْدَةِ اَلْأَحْكَامِ. فِي مُجَلَّدَيْنِ . 12- نُزْهَةُ اَلْخَاطِرِ اَلْعَاطِرِ شَرْحِ رَوْضَةِ اَلنَّاظِرِ وَجَنَّةِ اَلْمَنَاظِرِ لِابْنِ قُدَامَةَ . عُزُوبَتُهُ: واَلْعَلَّامَة اِبْنُ بَدْرَانَ من اَلْعُلَمَاءِ اَلْعُزَّابِ يَقُولُ اَلْأُسْتَاذُ أَدْهَمُ آلُ الْجِنْدِيِّ أنّه "آثَرَ اَلْعُزُوبَةَ فِي حَيَاتِهِ لِيَتَفَرَّغَ لِطَلَبِ اَلْعِلْمِ وَالتَّدْرِيسِ". مَرَضُهُ وَوَفَاتُهُ عاش المرحلة الأخيرة من حياته، في غرفة متواضعةٍ، ملحقة بإحدى مدارس الأوقاف، فأُصِيب بِدَاءِ اَلْفَالِجِ، ونُقِل إلى الْمُسْتَشْفَى التي مكث فيها نَحْوَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ خَرَجَ, ليُصاب بعدها بِضَعْفٍ فِي بَصَرِهِ مِنْ كَثْرَةِ اَلْكِتَابَةِ, إلى أن وافاه الأجل المحتوم بمَدِينَةِ دِمَشْقَ, فِي شَهْرِ رَبِيعٍ اَلثَّانِي مِنْ عَامِ 1346هـ اَلْمُوَافِقِ 25 /9/ 1927م، وَذَلِكَ فِي مُسْتَشْفَى اَلْغُرَبَاءِ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ اَلْبَابِ اَلصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ. رَحِمَ اَللَّهُ اِبْنَ بَدْرَانَ: فَقَدْ عَاشَ غَرِيبًا, وَمَاتَ غَرِيبًا, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ! المصادر: أولاً: المصادر التي اهتمّت بالتّرجمة لابن بدران: هذه قائمةٌ أعدّها الباحث الشيخ نور الدين طالب الدوميّ، تشتمل على معظم المصادر التي اهتمّت بالتَّرجمة، للشيخ العلامة ابن بدران، مع تحديد أرقام الصَّفحات التي يوجد فيها ترجمتُه، في كلّ كتابٍ منها، على النحو التالي: *منتخبات تواريخ دمشق‘ لتقي الدين الحصني (2/ 762 ـ 763.) *’أعلام الأدب والفن‘ لأدهم الجندي (1/ 224، وما بعدها). *’أعيان دمشق‘ لمحمد جميل الشطي الحنبلي (ص:345). * المقدمة التي كتبها محمد بهجت البيطار، لكتاب ابن بدران: ’منادمة الأطلال‘، (ط: المكتب الإسلامي). *ترجمة لابن بدران كتبها محمد بن سعيد الحنبلي، في خاتمة ’المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل‘ *’الأعلام‘ لخير الدين الزركلي (4/ 37). *’معجم المؤلفين‘ لعمر رضا كحالة (2/ 184 ـ 185). *’الأعلام الشرقية‘ لزكي مجاهد (2/ 128 ـ 130). *’معجم المطبوعات العربية والمعربة‘ لسركيس (ص:541). *’معالم وأعلام‘ لأحمد قُدامة (1/ 123). *’معجم المؤلفين السوريين‘ لعبد القادر عياش (ص:257). *’تاريخ دومة‘ لمعروف زريق (ص:103 ـ 104). *’شعراء من دومة‘ لمعروف زريق (ص:98، وما بعدها). *’تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري‘ لمحمد مطيع الحافظ (1/ 300). ’*علامة الشام عبد القادر بن بدران الدمشقي‘ لمحمد بن ناصر العجمي. *مواضع متفرقة من كتب الشيخ ابن بدران؛ كـ ’تهذيب تاريخ دمشق‘، و’المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل‘، و’منادمة الأطلال‘، و’نزهة الخاطر العاطر‘، و’حاشية أخصر المختصرات‘، و’تسلية اللبيب‘، و’العقود الياقوتية‘، وغيرها. * مشافهات عديدة من أهل دومة، ضمّنها الشيخ نور الدين طالب الدوميّ في ترجمته لابن بدران. ثانياً: مصادر هذه الترجمة: 1. حاشية على أخصر المختصرات لابن بلبان، لابن بدران، تحقيق محمد ناصر العجميّ، دار البشائر الإسلاميَّة، بيروت، 1416هـ. 2. العلامة الفقيه المحدث المؤرخ الشاعر الأديب الإمام عبد القادر بن بدران رحمه الله، بقلم الشيخ نور الدين طالب الدّوميّ. 3. منتديات أحباب دوما: http://a7babduma.yoo7.com/t117-topic . 4. الشيخ عبد القادر بن بدران، للأرناؤوط، جريدة الاسبوع الادبي العدد 690 تاريخ 25/12/1999، موقع دونكم إرثكم: http://wadod.org/vb/showthread.php?t=332 . 5. سلسلة أعلام تاركي الصُّوفية الحلقة (4) الشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي، شبكة أنا المسلم:http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=152027.

تابع القراءة>>

الإمام الذهبي شيخ المحدثين ومؤرخ الإسلام

12:53 مساء الأثنين, 29 رجب 1436 هـ الموافق 2015-05-18 12:53:37

يعد الإمام شمس الدين الذهبي واحد من الأفذاذ القلائل في مسيرة علوم الحديث والرجال والتأريخ الإسلامي، وقد دلت آثاره العلمية واتجاهاته الفكرية على سعة أفقه وعلمه وحفظه، وقدرته الفائقة على نقد الرجال وتصوير التاريخ، حتى أصبحت أقوال الذهبي فيمن يترجم لهم ويؤرخ، تعتبر عند النقاد والمؤرخين الذين جاءوا بعده أقصى حدود الاعتبار، وكفى بذلك فخرًا. نسب الإمام الذهبي ونشأته إمام المحدثين ومؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، الفارقي الدمشقي الشافعي، ولد في دمشق في شهر ربيع الآخر سنة 673هـ / أكتوبر 1274م، وكان من أسرة تركمانية الأصل، تنتهي بالولاء إلى بني تميم، سكنتْ مدينة ميافارقين من أشهر مدن ديار بكر، ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياته فيها، وتوفي سنة 661هـ وقد جاوز المئة، قال الذهبي: "قايماز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي جد أبي"، أما والده شهاب الدين أحمد، فقد ولد سنة 641هـ تقريبا، وعمل بصنعة الذهب المدقوق، فبرع بها، وتميز وعرف بها. أصل تسميته الذهبي عرف مؤرخنا بابن الذهبي، نسبة إلى صنعة أبيه، وكان هو يقيد اسمه "ابن الذهبي"، فجاء في أول معجم شيوخه: "أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد ..بن الذهبي"، ويبدو أنه اتخذ صنعة أبيه مهنة له في أول أمره، لذلك عرف عند بعض معاصريه بالذهبي، مثل الصلاح الصفدي، وتاج الدين السبكي، والحسيني، وعماد الدين ابن كثير، وغيرهم. فأصل نسبته الذهبي إلى الذهب وتخليصه وإخراج الغش منه، وقد صار الإمام الذهبي بحق ذهبي عصره، كما شهد بذلك معاصروه ومن جاء بعدهم. طلبه العلم ورحلاته العلمية وطلب الذهبي العلم صغيرًا، وتوجهت عنايته إلى ناحيتين رئيستين هما: القراءات، والحديث الشريف، وفشرع في طلب الحديث سنة 690هـ وعمره 18 سنة، ووقف حياته على العلم حتى توفى رحمه الله، وعني بالقراءات، والتاريخ والحديث واهتم به اهتمامًا خاصًا، وأخذ عن شيوخ بلده، وعن غيرهم. ورحل الإمام الذهبي في طلب العلم داخل البلاد الشامية إلى حلب، وبيت المقدس والرملة ونابلس، وبعلبك، وطرابلس، وحمص وحماه ونابلس والرملة. كما كان للذهبي رحلاته العلمية داخل البلاد المصرية، وكانت من أبرز رحلاته المبكرة، ويبدو أنه وصل إلى مصر في السادس عشر من رجب سنة 695هـ، فرحل إلى القاهرة، والإسكندرية، ودمياط، وسمع بمصر من جماعة كبيرة، من أشهرهم: ابن دقيق العيد والعلامة شرف الدين الدمياطي، وقرأ على صدر الدين سحنون ختمة لورش وحفص، وكان الذهبي يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد. وفي سنة 698هـ رحل الذهبي للحج، وكان يرافقه في حجه جماعة من أصحابه وشيوخه، منهم شيخ دار الحديث بالمدرسة المستنصرية ابن الخراط الحنبلي (ت 728هـ)، وقد سمع بمكة، وعرفة، ومنى ، والمدينة من مجموعة من الشيوخ. هذا وقد سمع الذهبي ما يتعذر عده من الكتب وأخذ عنه الصغار والكبار، حتى صدق عليه قول تاج الدين السبكي (ت 771هـ): "وسمع منه الجمع الكثير، وما زال يخدم هذه الفن إلى أن رسخت فيه قدمه، وتعب الليل والنهار، وما تعب لسانه وقلمه، وضربت باسمه الأمثال، وسار اسمه مسير الشمس إلا أنه لا يتقلص إذا نزل المطر، ولا يدبر إذا أقبلت الليال. وأقام بدمشق يُرحل إليه من سائر البلاد، وتناديه السؤالات من كل ناد وهو بين أكنافها كنف لأهليها وشرف تفتخر وتزهى به الدنيا وما فيها، طوراً تراها ضاحكة عن تبسم أزهارها، وقهقهة غدرانها، وتارة تلبس ثوب الوقار والفخار بما اشتملت عليه من إمامها المعدود في سكانها". طبيعة دراسات الذهبي كانت دراسته وسماعاته متنوعة لم تقتصر على القراءات والحديث، فقد عني بدراسة النحو، فسمع "الحاجبية" في النحو على شيخه بن أبي العلاء النصيبي البعلبكي، ودرس على شيخ العربية، وإمام أهل الأدب في مصر آنذاك ابن النحاس (ت 698 هـ). إضافة إلى سماعه لعدد كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب، واهتم بالكتب التاريخية، فسمع عددا كبيرا منها على شيوخه، في المغازي، والسيرة، والتاريخ العام، ومعجمات الشيوخ والمشيخات، وكتب التراجم الأخرى. ونستطيع القول من دراسة كتب الذهبي واهتماماته أنه عني بالعلوم الدينية عموما، والعلوم المساعدة لها كالنحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درس كتبا في العلوم الصرفة لعدم اعتقاده بجدواها. على أن مكانة الذهبي العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقا وأكثرها تألقا عند دراستنا له محدثًا، فقد مهر الذهبي في علم الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة: "حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفا". شيوخ الذهبي وقد بلغ شيوخ الذهبي الذين أخذ عنهم في القراءات السبع والحديث والسيرة، وغيرها عدداً كبيراً، فأجاز له أبو زكريا ابن الصيرفي، وابن أبي الخير، والقطن ابن عصرون، والقاسم بن الأربلي. وسمع الذهبي من: أحمد بن هبة الله بن عساكر، وابن دقيق العيد، والحافظ أبي محمد الدمياطي، وغيرهم، وقد ذَكر في معجم شيوخه ثلاثمائة وألف شيخ. تلاميذ الذهبي وهم خلق لا يحصون أيضاً، بسبب ما وصل إليه الإمام الذهبي من تقدم في العلم والتحقيق والتأليف، فأحبه الطلاب وحرصوا على السماع منه، ورحلوا إليه من بلدان شتى ليسمعوا مؤلفاته، كما قال الشوكاني: "وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا، رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض، وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبًا، لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ". ومن أشهر تلاميذه: صلاح الدين الصفدي، الحافظ ابن كثير، تاج الدين السبكي، الحافظ شمس الدين الحسيني (ت 765هـ)، تقي الدين بن رافع السلامي (ت 774هـ)، أبو الطيب المكي الحسني الفاسي (ت 832هـ). صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري اتصل الذهبي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر وهم: جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي الشافعي (654 - 742هـ)، وتقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني (661 - 728 هـ)، وعلم الدين القاسم بن محمد البرزالي (665 - 739 هـ)، وترافق معهم طيلة حياتهم. وكان الذهبي أصغر رفاقه سنا، وكان أبو الحجاج المزي أكبرهم، وكان بعضهم يقرأ على بعض، فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه. وقد ساعد من شد أواصر هذه الرفقة اتجاههم نحو طلب الحديث منذ فترة مبكرة، وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أن المزي والبرزالي والذهبي كانوا من الشافعية. وكان كل واحد منهم محبا للآخر ذاكرا فضله. وقد أدت هذه الصلة في كثير من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس فيهم. وقد أوذي المزي بسبب ذلك، وحُرم الذهبي بسبب آرائه من تولي أكبر دار للحديث بدمشق، هي دار الحديث الأشرفية. نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها، ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم " تاريخ الإسلام " الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة 714هـ. وقد تولى الذهبي في سنة 703هـ الخطابة بمسجد كفر بطنا، وهي قرية بغوطة دمشق، وظل مقيما بها إلى سنة 718 هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف الذهبي خيرة كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف. وقد تولى شمس الدين الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه من المعرفة الواسعة في هذا الفن، فولي دار الحديث الظاهرية، كما تولى الذهبي تدريس الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضا عن شيخه البرزالي سنة 739هـ، وكتب له تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعا بذلك، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بدار الحديث والقرآن التنكزية سنة 739هـ. وحينما توفي سنة 748هـ كان يتولى مشيخة الحديث في خمسة أماكن هي: مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، دار الحديث النفيسية، دار الحديث التنكرية، دار الحديث الفاضلية بالكلاسة، تربة أم الصالح، وقد درَّس فيها بعده تلميذه الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774هـ. آثار ومؤلفات الإمام الذهبي لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره الكثيرة التي خلفها، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء والدارسين بها في العصور التالية، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة الإسلامية. وسيرة الذهبي العلمية، استنادا إلى آثاره، ذات وجوه متعددة يستبينها الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار. وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها والتي تربي على خمسين كتابا، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت أهمية عظيمة عند الدارسين، ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب عليها الجمود والنقل، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها إضافات كثيرة، وتعليقات نفيسة، واستدراكات بارعة، وتصحيحات وتصويبات لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره في فن الكتاب المختصر، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم ومعرفة بفنونه. ومما اختصره الإمام الذهبي: تاريخ مصر لابن يونس (ت 347 هـ)، أسد الغابة في الصحابة لابن الأثير (ت 630 هـ)، المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، السنن الكبرى للبيهقي (ت 458 هـ)، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، تاريخ دمشق لابن عساكر (ت 571 هـ). ومع أن الذهبي قد عاش في عصر غلب عليه الجمود والنقل والتخليص، فإنه قد تخلص من كثير من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته، قال تلميذه صلاح الدين الصفدي (ت 764هـ): "ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة (بلادة) النقلة، بل هو فقيه النظر له دِرْبة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات، وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثا يورده حتى يبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده ..". وبلغ اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) بفضل الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلا الله أن يصل إلى مرتبة الذهبي في الحفظ وفطنته. ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين، أو فئة معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت مؤلفاته رجال الإسلام من أول ظهوره حتى عصره، بله المعاصرين له. ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي إلى القول: "إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال، وكأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يخبر عنها إخبار من حضرها". ومن مؤلفاته: ترك الإمام الذهبي إنتاجًا غزيرًا من المؤلفات بلغ أكثر من مائتي كتاب، شملت كثيرًا من ميادين الثقافة الإسلامية، فتناولت القراءات والحديث ومصطلحه، والفقه وأصوله والعقائد والرقائق، غير أن معظم مؤلفاته في علوم التاريخ وفروعه، ما بين مطول ومختصَر ومعاجم وسير، ومنها: 1- تاريخ الإسلام: وهو كتاب كبير الحجم عظيم النفع لم يؤلف غيره في بابه مثله، قال ابن تغري بردي: "وهو أجل كتاب نقلت عنه ...". وهو يتحدث عن تاريخ الإسلام، وعلماء الحديث. 2- سير أعلام النبلاء: وقد ألفه بعد تاريخ الإسلام وهو ليس مختصرا له. 3- وكتب أخرى منها: العبر في خبر من غبر، اختصار المستدرك للحاكم، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تذكرة الحفاظ (طبقات الحفاظ للذهبي)، اختصار تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، اختصار تاريخ دمشق لابن عساكر، المغني في الضعفاء، ديوان الضعفاء والمتروكين وخلق من المجهولين وثقات فيهم لين، التلويحات في علم القراءات، الكبائر، الرسالة الذهبية إلى ابن تيمية، الأمصار ذوات الآثار، دول الإسلام، أخبار أبي مسلم الخراساني، تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، معجم الشيوخ الكبير، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، ميزان الاعتدال في نقد الرجال. وله في تراجم الأعيان لكل واحد منهم مصنف قائم الذات، مثل الأئمة الأربعة. ثناء العلماء على الإمام الذهبي أثنى عليه العلماء ثناءً كثيرا، شهدوا بذلك على فضله وإمامته لا سيما في علم الحديث والتاريخ والرجال. يقول تاج الدين السبكي: " شَيخنَا وأستاذنا الإِمَام الْحَافِظ .. مُحدث الْعَصْر، اشْتَمَل عصرنا على أَرْبَعَة من الْحفاظ بَينهم عُمُوم وخصوص: الْمزي والبرزالي والذهبي وَالشَّيْخ الإِمَام الْوَالِد (تقي الدين السبكي) لَا خَامِس لهَؤُلَاء فِي عصرهم ..، وَأما أستاذنا أَبُو عبد الله فَبَصر لَا نَظِير لَهُ، وكنز هُوَ الملجأ إِذا نزلت المعضلة، إِمَام الوُجُود حفظًا، وَذهب الْعَصْر معنى ولفظًا، وَشَيخ الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَرجل الرِّجَال فِي كل سَبِيل". وقال ابن شاكر الكتبي: " حافظ لا يجارى، ولافظ لا يبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأبان الإبهام في تواريخهم والإلباس، جمع الكثير، ونفع الجم الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف". وقال السيوطي: " الإمام الحافظ محدث العصر وخاتمة الحفاظ ومؤرخ الأعلام وفرد الدهر والقائم بأعباء هذه الصناعة ..، طلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل وعين بهذا الشأن وتعب فيه وخدمه إلى أن رسخت فيه قدمه، وتلا بالسبع وأذعن له الناس ..، والذي أقوله: إن المحدثين عيال الآن في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المزي والذهبي والعراقي وابن حجر". وقال الشوكاني: "وَجَمِيع مصنفاته مَقْبُولَة مَرْغُوب فِيهَا، رَحل النَّاس لأَجلهَا وأخذوها عَنهُ وتداولوها وقرأوها وكتبوها فِي حَيَاته وطارت فِي جَمِيع بقاع الأَرْض، وَله فِيهَا تعبيرات رائقة وألفاظ رشيقة غَالِبًا، لم يسْلك مسلكه فِيهَا أهل عصره وَلَا من قبلهم وَلَا من بعدهمْ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّاس فِي التَّارِيخ من أهل عصره فَمن بعدهمْ عِيَال عَلَيْهِ، وَلم يجمع أحد فِي هَذَا الْفَنِّ كجمعه وَلَا حَرَّره كتحريره". وقال مرعي بن يوسف الكرمى المقدسي الحنبلى: "الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ الْهمام مُفِيد الشَّام ومؤرخ الْإِسْلَام ناقد الْمُحدثين وَإِمَام المعدلين والمجرِّحين إِمَام أهل التَّعْدِيل وَالْجرْح وَالْمُعْتَمد عَلَيْهِ فِي الْمَدْح والقدح ..، كَانَ آيَة فِي نقد الرِّجَال، عُمْدَة فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل، عَالما بالتفريع والتأصيل، إِمَامًا فِي الْقرَاءَات، فَقِيها فِي النظريات، لَهُ دربة بمذاهب الْأَئِمَّة، وأرباب المقالات، قَائِما بَين الْخلف بنشر السُّنة وَمذهب السَّلف". وفاة الإمام الذهبي أضر الذهبي في أخريات سني حياته، قبل موته بأربع سنين أو أكثر، بماء نزل في عينيه، وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث ذي القعدة قبل نصف الليل سنة 748 هـ / 1348م، ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر الصلاة عليه جملة من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي، وقد رثاه غير واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي والتاج السبكي. المصادر والمراجع: - بشار عواد معروف: مقدمة تحقيق سير أعلام النبلاء للذهبي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثالثة 1405 هـ / 1985م. (وعلى هذه المقدمة كانت أكثر الترجمة). - عبد الله بن ضيف الله الرحيلي: مقدمة تحقيق من تكلم فيه وهو موثوق أو صالح الحديث للذهبي، الطبعة: الأولي 1426هـ / 2005م. - ابن شاكر الكتبي: فوات الوفيات، تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر – بيروت، الطبعة: الأولى 1974م. - الصفدي: الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث – بيروت، عام النشر:1420هـ / 2000م. - الحافظ الحسيني: ذبل تذكرة الحفاظ، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الطبعة الأولى 1419هـ / 1998م. - تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: محمود محمد الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، الناشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1413هـ. - السيوطي: طبقات الحفاظ، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى 1403هـ. - مرعي بن يوسف الكرمى المقدسي الحنبلى: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تحقيق: نجم عبد الرحمن خلف، الناشر: دار الفرقان , مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1404هـ. - الشوكاني: البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، الناشر: دار المعرفة - بيروت.

تابع القراءة>>

القاضي محي الدين ابن الزكي الدمشقي

10:12 صباحاً الأربعاء, 10 رجب 1436 هـ الموافق 2015-04-29 10:12:20

المولد والنسب: القاضي محيي الدين ابن الزكي جاءت ترجمة القاضي محي الدين ابن الزكي في "الوافي في الوفيات" كما يلي: هو القاضي محيي الدين ابن الزكي، محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز بن علي، قاضي قضاة الشام، محيي الدين أبو المعالي، ابن قاضي القضاة زكي الدين أبي الحسن، ابن قاضي القضاة المنتخب أبي المعالي، ابن قاضي القضاة الزكي أبي المفضل القرشي الدمشقي الشافعي. وجاء في (البداية والنهاية) ما نصه: القاضي ابن الزكي، محمد بن علي بن محمد بن يحيى بن عبد العزيز أبو المعالي القرشي محيي الدين قاضي قضاة دمشق وكل منهما كان قاضيا أبوه وجده وأبو جده يحيى بن علي، وهو أول من ولي الحكم بدمشق منهم، وكان هو جد الحافظ أبي القاسم بن عساكر لأمه. ولد -رحمه الله- سنة خمسين وخمس مائة، وهو من بيت القضاء والحشمة والأصالة والعلم، وكان حسن اللفظ والخط، وقد قرأ المذهب على جماعة، وسمع من والده. وكان مما زاده شرفا أ

تابع القراءة>>

ركن الدين بيبرس

10:12 صباحاً السبت, 06 رجب 1436 هـ الموافق 2015-04-25 10:12:20

هو الملك الظاهر ركن الدين بيبرس العلائي البندقداري الصالحي النجمي، سلطان مصر وسورية، وقد لُقِّبَ بأبي الفتوح، وهو رابع سلاطين الدولة المملوكية ومُؤَسِّسها الحقيقي؛ بدأ مملوكًا يُباع في أسواق بغداد والشام، وانتهى به الأمر كأحد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط، لَقَّبَه الملك الصالح نجم الدين أيوب في دمشق بركن الدين، وبعد وصوله إلى الحكم لَقَّب نفسه بالملك الظاهر؛ حقق بيبرس العديد من الانتصارات على الصليبيين والمغول ابتداءً من معركة المنصورة وعين جالوت، وقد قضى على إمارة أنطاكية الصليبية أثناء حُكْمه. حكم مصر بعد رجوعه من معركة عين جالوت واغتيال السلطان سيف الدين قطز؛ حيث خُطب له بالمساجد يوم الجمعة 6 ذي الحجة 658هـ= 11 نوفمبر 1260م، أحيا خلال حُكمه الخلافة العباسية في القاهرة بعدما قضى عليها المغول في بغداد، وأنشأ نظمًا إداريةً جديدة في الدولة، واشتُهر بذكائه العسكري والدبلوماسي، وكان له دور كبير في

تابع القراءة>>

عبد الله بن عامر الدمشقي

10:12 صباحاً الأربعاء, 26 جمادى الآخرة 1436 هـ الموافق 2015-04-15 10:12:20

اسمه ونسبه:   القرآن الكريم - القراءات العشرهو الإمام عبد الله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة أبو عمران على الأصح وقيل أبو عامر وقيل أبو نعيم...   مولده: 8 هـ، 629 م   البلد التي ولد فيها   قال خالد بن يزيد: سمعت عبد الله بن عامر اليحصبي يقول: ولدت سنة ثمان من الهجرة في البلقا بضيعة يقال لها رحاب وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي سنتان وذلك قبل فتح دمشق وانقطعت إلى دمشق بعد فتحها ولي تسع سنين. وقد أشار الإمام الشاطبي في مقدمة الشاطبية إلى أن عبد الله بن عامر قد سكن الشام وقد طابت به فقال: وَأَمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنُ عَامِرٍ فَتْلِكَ بِعَبْدِ اللهِ طَابَتْ مُحَلَّلاَ وصفه الناظم بأن دمشق طابت به محللًا أي طاب الحلول فيها من أجله أي قصدها طلاب العلم للرواية عنه والقراءة عليه.   شيوخه: ثبت سماعه من جماعة من الصحابة منهم معاوية بن أبي سفيان والنعمان بن بشير وواثلة بن ال

تابع القراءة>>
الذهاب الى

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut