04 شوّال 1439 هـ الموافق ١٨ حزيران ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

سورة البقرة الايات من 262 لـ 267

15:49 مساء الأثنين, 16 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-08-31 15:49:56

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قيل: إنها نزلت في عثمان ابن عفان رضي الله عنه. قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ...

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات 256 لـ 261

15:36 مساء الأربعاء, 11 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-08-26 15:36:57

{لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)} قوله تعالى: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ}. فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ} الدين في هذه الآية المعتقد والملة بقرينة قوله: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}. والإكراه الذي في الأحكام من الايمان والبيوع والهبات وغيرها ليس هذا موضعه، وإنما يجئ في تفسير قوله: {إِلَّا مَن....

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات من 250 لـ 255

15:27 مساء الثلاثاء, 10 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-08-25 15:27:17

{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250)} {بَرَزُوا} صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع. وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ظله ميل. ويقال: إن البربر من من نسله، وكان فيما روى في ثلاثمائة ألف فارس. وقال عكرمة: في تسعين ألفا، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} إلى قوله: {وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا} الآية. وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا لقى العدو يقول في القتال: «اللهم بك أصول وأجول» وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول إذا لقى العدو: «اللهم إنى أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم» ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده على ما يأتي بيانه في آل عمران إن شاء الله تعالى. {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251)} قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} أي فأنزل الله عليهم النصر {فَهَزَمُوهُمْ}: فكسروهم. والهزم: الكسر، ومنه سقاء متهزم، أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم: إنها هزمة جبريل، أي هزمها جبريل برجله فخرج الماء. والهزم: ما تكسر من يابس الحطب. قوله تعالى: {وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ} وذلك أن طالوت الملك اختاره من بين قومه لقتال جالوت، وكان رجلا قصيرا مسقاما مصفارا أصغر أزرق، وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده، وكان قتل جالوت وهو رأس العمالقة على يده. وهو داود بن إيشى- بكسر الهمزة، ويقال: داود بن زكريا بن رشوى، وكان من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وكان من أهل بيت المقدس جمع له بين النبوة والملك بعد أن كان راعيا وكان أصغر إخوته وكان يرعى غنما، وكان له سبعة إخوة في أصحاب طالوت، فلما حضرت الحرب قال في نفسه: لأذهبن إلى رؤية هذه الحرب، فلما نهض في طريقه مر بحجر فناداه: يا داود خذني فبى تقتل جالوت، ثم ناداه حجر آخر ثم آخر فأخذها وجعلها في مخلاته وسار، فخرج جالوت يطلب مبارزا فكع الناس عنه حتى قال طالوت: من يبرز إليه ويقتله فأنا أزوجه ابنتي وأحكمه في مالى، فجاء داود عليه السلام فقال: أنا أبرز إليه وأقتله، فازدراه طالوت حين رآه لصغر سنه وقصره فرده، وكان داود أزرق قصيرا، ثم نادى ثانية وثالثة فخرج داود، فقال طالوت له: هل جربت نفسك بشيء؟ قال نعم، قال بما ذا؟ قال: وقع ذئب في غنمي فضربته ثم أخذت رأسه فقطعته من جسده. قال طالوت: الذئب ضعيف، هل جربت نفسك في غيره؟ قال: نعم، دخل الأسد في غنمي فضربته ثم أخذت بلحييه فشققتهما، أفترى هذا أشد من الأسد؟ قال لا، وكان عند طالوت درع لا تستوي إلا على من يقتل جالوت، فأخبره بها وألقاها عليه فاستوت، فقال طالوت: فأركب فرسي وخذ سلاحي ففعل، فلما مشى قليلا رجع فقال الناس: جبن الفتى! فقال داود: إن الله إن لم يقتله لي ويعنى عليه لم ينفعني هذا الفرس ولا هذا السلاح، ولكني أحب أن أقاتله على عادتي. قال: وكان داود من أرمى الناس بالمقلاع، فنزل واخذ مخلاته فتقلدها واخذ مقلاعه وخرج إلى جالوت، وهو شاك في سلاحه على رأسه بيضة فيها ثلاثمائة رطل، فيما ذكر الماوردي وغيره، فقال له جالوت: أنت يا فتى تخرج إلى! قال نعم، قال: هكذا كما تخرج إلى الكلب! قال نعم، وأنت أهون. قال: لأطعمن لحمك اليوم للطير والسباع، ثم تدانيا وقصد جالوت أن يأخذ داود بيده استخفافا به، فأدخل داود يده إلى الحجارة، فروى أنها التأمت فصارت حجرا واحدا، فأخذه فوضعه في المقلاع وسمي الله وأداره ورماه فأصاب به رأس جالوت فقتله، وحز رأسه وجعله في مخلاته، واختلط الناس وحمله أصحاب طالوت فكانت الهزيمة. وقد قيل: إنما أصاب بالحجر من البيضة موضع أنفه، وقيل: عينه وخرج من قفاه، وأصاب جماعة من عسكره فقتلهم. وقيل: إن الحجر تفتت حتى أصاب كل من في العسكر شيء منه، وكان كالقبضة التي رمى بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هوازن يوم حنين، والله أعلم. وقد أكثر الناس في قصص هذه الآي، وقد ذكرت لك منها المقصود والله المحمود. قلت: وفى قول طالوت: «من يبرز له ويقتله فإنى أزوجه ابنتي وأحكمه في مالى» معناه ثابت في شرعنا، وهو أن يقول الامام: من جاء برأس فله كذا، أو أسير فله كذا على ما يأتي بيانه في الأنفال إن شاء الله تعالى. وفيه دليل على أن المبارزة لا تكون إلا بإذن الامام، كما يقوله أحمد وإسحاق وغيرهما. واختلف فيه عن الأوزاعي فحكى عنه أنه قال: لا يحمل أحد إلا بإذن إمامه. وحكى عنه أنه قال: لا بأس به، فإن نهى الامام عن البراز فلا يبارز أحد إلا بإذنه. وأباحت طائفة البراز ولم تذكر بإذن الامام ولا بغير إذنه، هذا قول مالك. سئل مالك عن الرجل يقول بين الصفين: من يبارز؟ فقال: ذلك إلى نيته إن كان يريد بذلك الله فأرجو ألا يكون به بأس، قد كان يفعل ذلك فيما مضى. وقال الشافعي: لا بأس بالمبارزة. قال ابن المنذر: المبارزة بإذن الامام حسن، وليس على من بارز بغير إذن الامام حرج، وليس ذلك بمكروه لأني لا أعلم خبرا يمنع منه. {وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} قال السدى: أتاه الله ملك طالوت ونبوة شمعون. والذي علمه هو صنعة الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من أنواع ما علمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن عباس: هو أن الله أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة والفلك ورأسها عند صومعة داود، فكان لا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة فيعلم داود ما حدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ، وكانت علامة دخول قومه في الدين أن يمسوها بأيديهم ثم يمسحون أكفهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت. قوله تعالى: {مِمَّا يَشاءُ} أي مما شاء، وقد يوضع المستقبل موضع الماضي، وقد تقدم. قوله تعالى: {وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} كذا قراءة الجماعة، إلا نافعا فإنه قرأ {دفاع} ويجوز أن يكون مصدرا لفعل كما يقال: حسبت الشيء حسابا، وآب إيابا، ولقيته لقاء، ومثله كتبه كتابا، ومنه: {كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}. النحاس: وهذا حسن، فيكون دفاع ودفع مصدرين لدفع وهو مذهب سيبويه. وقال أبو حاتم: دافع ودفع بمعنى واحد، مثل طرقت النعل وطارقت، أي خصفت إحداهما فوق الأخرى، والخصف: الخرز. واختار أبو عبيدة قراءة الجمهور {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ}. وأنكر أن يقرأ دفاع وقال: لان الله عز وجل لا يغالبه أحد. قال مكي: هذا وهم توهم فيه باب المفاعلة وليس به، واسم اللَّهِ في موضع رفع بالفعل، أي لولا أن يدفع الله. ودفاع مرفوع بالابتداء عند سيبويه. {النَّاسَ} مفعول، {بَعْضَهُمْ} بدل من الناس، {بِبَعْضٍ} في موضع المفعول الثاني عند سيبويه، وهو عنده مثل قولك: ذهبت بزيد، فزيد في موضع مفعول فاعلمه. الثانية: واختلف العلماء في الناس المدفوع بهم الفساد من هم؟ فقيل: هم الابدال وهم أربعون رجلا كلما مات واحد بدل الله آخر، فإذا كان عند القيامة ماتوا كلهم، اثنان وعشرون منهم بالشام وثمانية عشر بالعراق. وروى عن على رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: «إن الابدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات منهم رجل أبدل الله مكانه رجلا يسقى بهم الغيث وينصر بهم على الاعداء ويصرف بهم عن أهل الأرض البلاء» ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وخرج أيضا عن أبى الدرداء قال: إن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قوما من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقال لهم الابدال، لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بحسن الخلق وصدق الورع وحسن النية وسلامة القلوب لجميع المسلمين والنصيحة لهم ابتغاء مرضاة الله بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلة، فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه واستخلصهم بعلمه لنفسه، وهم أربعون صديقا منهم ثلاثون رجلا على مثل يقين إبراهيم خليل الرحمن، يدفع الله بهم المكاره عن أهل الأرض والبلايا عن الناس، وبهم يمطرون ومن يرزقون، لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد أنشأ من يخلفه. وقال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين لغلب المشركون فقتلوا المؤمنين وخربوا البلاد والمساجد. وقال سفيان الثوري: هم الشهود الذين تستخرج بهم الحقوق. وحكى مكي أن أكثر المفسرين على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلى عمن لا يصلى وبمن يتقى عمن لا يتقى لأهلك الناس بذنوبهم، وكذا ذكر النحاس والثعلبي أيضا. قال الثعلبي وقال سائر المفسرين: ولولا دفاع الله المؤمنين الأبرار عن الفجار والكفار لفسدت الأرض، أي هلكت. وذكر حديثا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إن الله يدفع العذاب بمن يصلى من أمتي عمن لا يصلى وبمن يزكى عمن لا يزكى وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين» ثم تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}. وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إن لله ملائكة تنادى كل يوم لولا عباد ركع وأطفال رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا» خرجه أبو بكر الخطيب بمعناه من حديث الفضيل بن عياض. حدثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «لولا فيكم رجال خشع وبهائم رتع وصبيان رضع لصب العذاب على المؤمنين صبا». أخذ بعضهم هذا المعنى فقال: لولا عباد للإله ركع *** وصبية من اليتامى رضع ومهملات في الفلاة رتع *** صب عليكم العذاب الأوجع وروى جابر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده واهلة دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم». وقال قتادة: يبتلى الله المؤمن بالكافر ويعافى الكافر بالمؤمن. وقال ابن عمر قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله ليدفع بالمؤمن الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء». ثم قرأ ابن عمر {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}. وقيل: هذا الدفع بما شرع على ألسنة الرسل من الشرائع، ولولا ذلك لتسالب الناس وتناهبوا وهلكوا، وهذا قول حسن فإنه عموم في الكف والدفع وغير ذلك فتأمله. {وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ}. بين سبحانه أن دفعه بالمؤمنين شر الكافرين فضل منه ونعمة. {تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)} {تِلْكَ} ابتداء {آياتُ اللَّهِ} خبره، وإن شئت كان بدلا والخبر {نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ}. {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، خبر إن أي وإنك لمرسل. نبه الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبى مرسل. {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253)} قوله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ} قال: {تِلْكَ} ولم يقل: ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة، وهى رفع بالابتداء. و{الرُّسُلُ} نعته، وخبر الابتداء الجملة. وقيل: الرسل عطف بيان، و{فَضَّلْنا} الخبر. وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» و«لا تفضلوا بين أنبياء الله» رواها الأئمة الثقات، أي لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان. يقال: خير فلان بين فلان وفلان وفضل، مشددا إذا قال ذلك. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى، فقال قوم: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وإن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. وقال ابن قتيبة: إنما أراد بقوله: «أنا سيد ولد آدم» يوم القيامة، لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض، وأراد بقوله: «لا تخيرونى على موسى» على طريق التواضع، كما قال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم. وكذلك معنى قوله: «لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى» على معنى التواضع. وفى قوله تعالى: {وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ} ما يدل على أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضل منه، لأن الله تعالى يقول: ولا تكن مثله، فدل على أن قوله: «لا تفضلوني عليه» من طريق التواضع. ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا منى، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة منى. وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السودد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له، وهذا التأويل اختاره المهلب. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدى إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة. قال شيخنا: فلا يقال: النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير، كما هو ظاهر النهى لما يتوهم من النقص في المفضول، لأن النهى اقتضى منه إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون، فلا تقول: نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهى عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، والله بحقائق الأمور عليم. قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والالطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلا، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً} وقال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ}. قلت: وهذا قول حسن، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطى من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ}. وقال لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ}. قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال قال الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} وقال الله عز وجل لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} فأرسله إلى الجن والإنس ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة: خير بنى آدم نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا نص من ابن عباس وأبى هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء فيه، إلا أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال: إن القرآن يقتضى التفضيل، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول، وكذلك هي الأحاديث، ولذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أنا أكرم ولد آدم على ربى» وقال: «أنا سيد ولد آدم» ولم يعين، وقال عليه السلام: «لا ينبغي لاحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» وقال: «لا تفضلوني على موسى». وقال ابن عطية: وفى هذا نهى شديد عن تعيين المفضول، لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ تحت أعباء النبوة. فإذا كان التوقيف لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغيره أحرى. قلت: ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ} وقال: {وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً} وقال تعالى: {وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ}، {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً} وقال: {وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ} فعم ثم خص وبدأ بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا ظاهر. قلت: وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم، وحسبك بقوله الحق: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى آخر السورة. وقال: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها} ثم قال: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ} وقال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} فعم وخص، ونفى عنهم الشين والنقص، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين. قوله تعالى: {مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} المكلم موسى عليه السلام، وقد سئل رسوله الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن آدم أنبى مرسل هو؟ فقال: «نعم نبى مكلم». قال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى. وحذفت الهاء لطول الاسم، والمعنى من كلمه الله. قوله تعالى: {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ} قال النحاس: بعضهم هنا على قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة». ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف. وقال ابن عطية معناه، وزاد: وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله. ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره ممن عظمت آياته، ويكون الكلام تأكيدا. ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان العلى، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء، وسيأتي. وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل. {وَأَيَّدْناهُ} قويناه. {بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل عليه السلام، وقد تقدم. قوله تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ} أي من بعد الرسل. وقيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع. وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ. وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبى، وهذا كما تقول: اشتريت خيلا ثم بعتها، فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبى فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد. وكسرت النون من {وَلكِنِ اخْتَلَفُوا} لالتقاء الساكنين، ويجوز حذفها في غير القرآن، وأنشد سيبويه: فلست بآتيه ولا أستطيعه *** ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ} {من} في موضع رفع بالابتداء والصفة. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)} قال الحسن: هي الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. قال ابن عطية. وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوى ذلك في آخر الآية قوله: {وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال. قلت: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه. وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، وحذرهم من الإمساك إلى أن يجئ يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة، كما قال: {فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ}. والخلة: خالص المودة، مأخوذة من تخلل الاسرار بين الصديقين. والخلالة والخلالة والخلالة: الصداقة والمودة، قال الشاعر: وكيف تواصل من أصبحت *** خلالته كأبي مرحب وأبو مرحب كنية الظل، ويقال: هو كنية عرقوب الذي قيل فيه: مواعيد عرقوب. والخلة بالضم أيضا: ما خلا من النبت، يقال: الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها. والخلة بالفتح: الحاجة والفقر. والخلة: ابن مخاض، عن الأصمعي. يقال: أتاهم بقرص كأنه فرسن خلة. والأنثى خلة أيضا. ويقال للميت: اللهم أصلح خلته، أي الثلمة التي ترك. والخلة: الخمرة الحامضة. والخلة بالكسر: واحدة خلل السيوف، وهى بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره، وهى أيضا سيور تلبس ظهر سيتى القوس. والخلة أيضا: ما يبقى بين الأسنان. وسيأتي في النساء اشتقاق الخليل ومعناه. فأخبر الله تعالى ألا خلة في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله. وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} بالنصب من غير تنوين، وكذلك في سورة إبراهيم {لا بيع فيه ولا خلال} وفى الطور {لا لغو فيها ولا تأثيم} وأنشد حسان بن ثابت: ألا طعان ولا فرسان عادية *** إلا تجشؤكم عند التنانير وألف الاستفهام غير مغيرة عمل لا كقولك: ألا رجل عندك، ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه. وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين، كما قال الراعي: وما صرمتك حتى قلت معلنة *** لا ناقة لي في هذا ولا جمل ويروى وما هجرتك فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف، كأنه جواب لمن قال: هل فيه من بيع؟ فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي. ولا مع الاسم المنفي بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء، والخبر فيه. وإن شئت جعلته صفة ليوم، ومن رفع جمله لا بمنزلة ليس. وجعل الجواب غير عام، وكأنه جواب من قال: هل فيه بيع؟ بإسقاط من، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس وفيه الخبر. قال مكي: والاختيار الرفع، لأن أكثر القراء عليه، ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة، وأنشد سيبويه لرجل من مذحج: هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أب ويجوز أن تبنى الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول: لا رجل فيه ولا امرأة، وأنشد سيبويه: لا نسب اليوم ولا خلة *** اتّسع الخرق على الراقع فلا زائدة في الموضعين، الأول عطف على الموضع والثاني على اللفظ. ووجه خامس أن ترفع الأول وتبنى الثاني كقولك: لا رجل فيها ولا امرأة، قال أمية: فلا لغو ولا تأثيم فيها *** وما فاهوا به أبدا مقيم وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقد تقدم هذا والحمد لله. {وَالْكافِرُونَ} ابتداء. {هُمُ} ابتداء ثان، {الظَّالِمُونَ} خبر الثاني، وإن شئت كانت {هُمُ} زائدة للفصل و{الظَّالِمُونَ} خبر {الْكافِرُونَ}. قال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: {وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ولم يقل والظالمون هم الكافرون. {اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدم بيانه في الفاتحة، ونزلت ليلا ودعا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيدا فكتبها. روى عن محمد ابن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. وروى الأئمة عن أبى بن كعب قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا المنذر أتدرى أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال قلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر». زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله: «فو الذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش». قال أبو عبد الله: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا، فأما في العاجل فهي حارسه لمن قرأها من الآفات، وروى لنا عن نوف البكالي أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله. يريد يدعى قارئها في ملكوت السموات والأرض عزيزا، قال: فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن تنفى عنه الشيطان من زوايا بيته. وروى عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه، فقال له الجنى: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال: إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي. قلت: هذا صحيح، وفي الخبر: من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. وعن على رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول وهو على أعواد المنبر: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله». وفى البخاري عن أبى هريرة قال: وكلني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: «ما هي؟» قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم {اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذاك شيطان». وفى مسند الدارمي أبى محمد قال الشعبي قال عبد الله بن مسعود: لقى رجل من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إنى لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: لا والله! إنى منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال: تقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}؟ قال: نعم، قال: فإنك تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح. أخرجه أبو نعيم عن أبى عاصم الثقفي عن الشعبي. وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبى عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمر!. قال أبو محمد الدارمي: الضئيل: الدقيق، والشخيت: المهزول، والضليع: جيد الأضلاع، والخبج: الريح. وقال أبو عبيدة: الخبج: الضراط، وهو الحبج أيضا بالحاء. وفى الترمذي عن أبى هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «من قرأ حم- المؤمن- إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح» قال: حديث غريب. وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم: وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطى الشاكرين واجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت قال موسى عليه السلام: يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: إنى لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي». وعن أبى بن كعب قال قال الله تعالى: {يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء} قال أبو عبد الله: معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لاحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا، وهى خمسون كلمة، وفى كل كلمة خمسون بركة، وهى تعدل ثلث القرآن، ورد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية. و{اللَّهُ} مبتدأ، و{لا إِلهَ} مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. و{إِلَّا هُوَ} بدل من موضع لا إله. وقيل: {اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ} ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إله إلا هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء. قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم؟ فقال: {اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}. وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة. {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلا من {هُوَ}، وإن شئت كان خبرا بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على المدح. و{الْحَيُّ} اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال: إنه اسم الله تعالى الأعظم. ويقال: إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيى الموتى يدعو بهذا الدعاء: ياحي يا قيوم. ويقال: إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله ياحي يا قيوم. ويقال: إن بنى إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم: أيا هيا شرا هيا، يعني يا حي يا قيوم. ويقال: هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به. قال الطبري عن قوم: إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه. وقيل: سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة: الحي الذي لا يموت. وقال السدى: المراد بالحي الباقي. قال لبيد: فإما تريني اليوم أصبحت سالما *** ولست بأحيا من كلاب وجعفر وقد قيل: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. {الْقَيُّومُ} من قام، أي القائم بتدبير ما خلق، عن قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول، قال أمية بن أبى الصلت: لم تخلق السماء والنجوم *** والشمس معها قمر يقوم قدره مهيمن قيوم *** والحشر والجنة والنعيم إلا لأمر شأنه عظيم قال البيهقي: ورأيت في عيون التفسير لإسماعيل الضرير تفسير القيوم قال: ويقال هو الذي لا ينام، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}. وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدئ له، ذكره أبو بكر الأنباري. واصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء، ولا يكون قيوم فعولا، لأنه من الواو فكان يكون قيووما. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي {الحي القيام} بالألف، وروى ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول عن القوام إلى القيام، صرف عن الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصواغ الصياغ، قال الشاعر: إن ذا العرش للذي يرزق النا *** س وحي عليهم قيوم ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم. والسنة: النعاس في قول الجميع. والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما، قال عدى بن الرقاع يصف امرأة بفتور النظر: وسنان أقصده النعاس فرنقت *** في عينه سنة وليس بنائم وفرق المفضل بينهما فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وقال ابن زيد: الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرد السيف على أهله. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السدى: السنة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان. قلت: وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل في سنة وسنة حذفت الواو كما حذفت من يسن. والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر. والواو للعطف ولا توكيد. قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحكى عن موسى على المنبر قال: «وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي إحداهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان- قال- ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك السماء والأرض» ولا يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد منهم البيهقي قوله تعالى: {لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ} أي بالملك فهو مالك الجميع وربه. وجاءت العبارة بما وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود. قال الطبري: نزلت هذه الآية لما قال الكفار: ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى. قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} {من} رفع بالابتداء و{ذا} خبره، و{الذي} نعت ل {ذا}، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون {ذا} زائدة كما زيدت مع ما لان ما مبهمة فزيدت {ذا} معها لشبهها بها. وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى} قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة. وفى البخاري في (باب بقية من أبو أب الرؤية): إن المؤمنين يقولون: ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة. وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الايمان، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا و- الذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تعجيل الحساب فخاصة له. قلت: قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب، فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعة فيمن لم يصل إلى النار، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها، أجارنا الله منها. فذكر من حديث أبى سعيد الخدري: ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم- قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول عز وجل أرجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحد ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}- «فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما» وذكر الحديث. وذكر من حديث أنس عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك- أو قال ليس ذلك إليك- وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائى لأخرجن من قال لا إله إلا الله». وذكر من حديث أبى هريرة عنه عليه الصلاة وسلم: «حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود» الحديث بطوله. قلت: فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخله النار وحصل فيها، أجارنا الله! منها وقول ابن عطية: ممن لم يصل أو وصل يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر، والله أعلم. وقد خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «يصف الناس يوم القيامة صفوفا- وقال ابن نمير أهل الجنة- فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة؟ قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع له- قال ابن نمير- ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له». وأما شفاعات نبينا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاختلف فيها، فقيل ثلاث اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في سبحان إن شاء الله تعالى. وقد أتينا عليها في كتاب التذكرة والحمد لله. قوله تعالى: {يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ} الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله: {لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ}. وقال مجاهد: {ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الدنيا {وَما خَلْفَهُمْ} الآخرة. قال ابن عطية: وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به، لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده، وبنحو قول مجاهد قال السدى وغيره. قوله تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْ ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ} العلم هنا بمعنى المعلوم، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته، وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقصى علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات، لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض. ومعنى الآية لا معلوم لاحد إلا ما شاء الله أن يعلمه. قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} ذكر ابن عساكر. في تاريخه عن على رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله». وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة- وهو عاصم بن أبى النجود- عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه. يقال: كرسي وكرسي والجمع الكراسي. وقال ابن عباس: كرسيه علمه. ورجحه الطبري، قال: ومنه الكراسة التي تضم العلم، ومنه قيل للعلماء: الكراسي، لأنهم المعتمد عليهم، كما يقال: أوتاد الأرض. قال الشاعر: يحف بهم بيض الوجوه وعصبة *** كراسي بالاحداث حين تنوب أي علماء بحوادث الأمور. وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده. وهذا قريب من قول ابن عباس في قول: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قاله البيهقي: وروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قول: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ} قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش. وروى إسرائيل عن السدى عن أبى مالك في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} قال: إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات، ورءوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش. قال البيهقي: في هذا إشارة إلى كرسيين: أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش. وفى رواية أسباط عن السدى عن أبى مالك، وعن أبى صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ} فإن السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان، وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء. واهل الحق يجيزونهما، إذ في قدرة الله متسع فيجب الايمان بذلك. قال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل. قال البيهقي: قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى. وعن ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «ما أعجب شيء رأيته؟» قال: رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس فأذراه فقعدت تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم! فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تصديقا لقولها: «لا قدست أمة- أو كيف تقدس أمة- لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها». قال ابن عطية: في قول أبى موسى: «الكرسي موضع القدمين» يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك،

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات من 244 لـ 249

15:04 مساء الأثنين, 09 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 2015-08-24 15:04:44

{وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)} قوله تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)} هذا خطاب لامة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي ينوي به أن تكون كلمة الله هي العليا. وسبل الله كثيرة فهي عامة في كله سبيل، قال الله تعالى: {قُلْ هذِهِ سَبِيلِي}. قال مالك: سبل الله كثيرة، وما من سبيل إلا يقاتل عليها أو فيها أولها، وأعظمها دين الإسلام،..

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات 237 لـ 243

15:54 مساء الخميس, 28 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-13 15:54:56

{وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)} فيه ثمان مسائل:الأولى: اختلف الناس في هذه الآية، فقالت فرقة منها مالك وغيره: إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع...

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات من 234 لـ 239

15:10 مساء الأربعاء, 27 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-12 15:10:44

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)} فيه خمس وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} لما ذكر عز وجل عدة الطلاق واتصل بذكرها ذكر الإرضاع،

تابع القراءة>>

صورة البقرة الايات من 228 لـ 233

15:33 مساء الأثنين, 25 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-10 15:33:20

{وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)}

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات 221 لـ 227

17:06 مساء الخميس, 21 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-06 17:06:59

{وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221)}

تابع القراءة>>

سورة البقرة الايات من 214 لـ 220

16:25 مساء الثلاثاء, 19 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-04 16:25:24

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)} قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} {حَسِبْتُمْ} معناه ظننتم. قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين

تابع القراءة>>

سورة البقرة الأيات من 208 لـ 213

16:04 مساء الأثنين, 18 شوّال 1436 هـ الموافق 2015-08-03 16:04:44

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)} لما بين الله سبحانه الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق فقال: كونوا على ملة واحدة، واجتمعوا على الإسلام واثبتوا عليه. فالسلم هنا بمعنى الإسلام، قال مجاهد، ورواه أبو مالك عن ابن عباس. ومنه قول الشاعر الكندي: دعوت عشيرتي للسلم لما *** رأيتهم تولوا مدبرينا أي إلى الإسلام لما ارتدت كندة بعد وفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الأشعث بن قيس الكندي، ولان المؤمنين لم يؤمروا قط بالدخول في المسالمة التي هي الصلح، وإنما قيل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجنح للسلم إذا جنحوا له، وأما أن يبتدئ بها فلا، قاله الطبري. وقيل: أمر من آمن بأفواههم أن يدخلوا فيه بقلوبهم. وقال طاوس ومجاهد: ادخلوا في أمر الدين. سفيان الثوري: في أنواع البر كلها. وقرئ {السلم} بكسر السين. قال الكسائي: السلم والسلم بمعنى واحد، وكذا هو عند أكثر البصريين، وهما جميعا يقعان للإسلام والمسالمة. وفرق أبو عمرو بن العلاء بينهما، فقرأها هنا: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} وقال هو الإسلام. وقرأ التي في الأنفال والتي في سورة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {السلم} بفتح السين، وقال: هي بالفتح المسالمة. وأنكر المبرد هذه التفرقة. وقال عاصم الجحدري: السلم الإسلام، والسلم الصلح، والسلم الاستسلام. وأنكر محمد بن يزيد هذه التفريقات وقال: اللغة لا تؤخذ هكذا، وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس، ويحتاج من فرق إلى دليل. وقد حكى البصريون: بنو فلان سلم وسلم وسلم، بمعنى واحد. قال الجوهري: والسلم الصلح، يفتح ويكسر، ويذكر ويؤنث، وأصله من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح: سلم. قال زهير: وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا *** بمال ومعروف من الأمر نسلم ورجح الطبري حمل اللفظة على معنى الإسلام بما تقدم. وقال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والامر بالمعروف سهم، والنهى عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له في الإسلام. وقال ابن عباس: نزلت الآية في أهل الكتاب، والمعنى، يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى ادخلوا في الإسلام بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كافة. وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بى أحد من هذه الامة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». و{كافة} معناه جميعا، فهو نصب على الحال من السلم أو من ضمير المؤمنين، وهو مشتق من قولهم: كففت أي منعت، أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام. والكف المنع، ومنه كفة القميص- بالضم- لأنها تمنع الثوب من الانتشار، ومنه كفة الميزان- بالكسر- التي تجمع الموزون وتمنعه أن ينتشر، ومنه كف الإنسان الذي يجمع منافعه ومضاره، وكل مستدير كفة، وكل مستطيل كفة. ورجل مكفوف البصر، أي منع عن النظر، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق. وَلا تَتَّبِعُوا نهى. خُطُواتِ الشَّيْطانِ مفعول، وقد تقدم. وقال مقاتل: استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة، فنزلت {وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ} فإن اتباع السنة أولى بعد ما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خطوات الشيطان. وقيل: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة، وقد تقدم. {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)} فَإِنْ زَلَلْتُمْ أي تنحيتم عن طريق الاستقامة. واصل الزلل في القدم، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أي دحضت قدمه. وقرأ أبو السمال العدوى {زللتم} بكسر اللام، وهما لغتان. واصل الحرف، من الزلق، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي المعجزات وآيات القرآن، إن كان الخطاب للمؤمنين، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الاعلام بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والتعريف به. وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع. وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن، فأقرأه الذي كان يعلمه {فاعلموا أن الله غفور رحيم} فقال كعب: إنى لاستنكر أن يكون هكذا، ومر بهما رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية؟ فقال الرجل: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فقال كعب: هكذا ينبغي. وعَزِيزٌ لا يمتنع عليه ما يريده. حَكِيمٌ فيما يفعله. {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210)} هَلْ يَنْظُرُونَ يعني التاركين الدخول في السلم، و{هَلْ} يراد به هنا الجحد، أي ما ينتظرون: {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ}. نظرته وانتظرته بمعنى. والنظر الانتظار. وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك {في ظلال من الغمام}. وقرأ أبو جعفر {والملائكة} بالخفض عطفا على الغمام، وتقديره مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر. {ظلل} جمع ظلة في التكسير، كظلمة وظلم وفى التسليم ظللات، وأنشد سيبويه: إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها *** سواقط من حر وقد كان أظهرا وظلات وظلال، جمع ظل في الكثير، والقليل أظلال. ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة، مثل قوله: قلة وقلال، كما قال الشاعر: ممزوجة بماء القلال *** قال الأخفش سعيد: و{الملائكة} بالخفض بمعنى وفى الملائكة. قال: والرفع أجود، كما قال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ}، {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}. قال الفراء: وفى قراءة عبد الله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام}. قال قتادة: الملائكة يعني تأتيهم لقبض أرواحهم، ويقال يوم القيامة، وهو أظهر. قال أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام، ويأتيهم الله فيما شاء. وقال الزجاج: التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة. وقيل: ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه. وقيل: أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل، مثل: {فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} أي بخذلانه إياهم، هذا قول الزجاج، والأول قول الأخفش سعيد. وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء، فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ}. وقال في قصة النضير: {فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ}، وقال: {وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها}. وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لان أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء، فمعنى الآية: هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الافعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضى في أمرهم ما هو قاض، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا، وأفعاله بلا آلة ولا علة، سبحانه! وقال ابن عباس في رواية أبى صالح: هذا من المكتوم الذي لا يفسر. وقد سكت بعضهم عن تأويلها، وتأولها بعضهم كما ذكرنا. وقيل: الفاء بمعنى الباء، أي يأتيهم بظلل، ومنه الحديث: «يأتيهم الله في صورة» أي بصورة امتحانا لهم. ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال، لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام، تعالى الله الكبير المتعال، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا. والغمام: السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أي يستر، كما تقدم. وقرأ معاذ بن جبل {وقضاء الأمر}. وقرأ يحيى بن يعمر {وقضى الأمور} بالجمع. والجمهور {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {ترجع الأمور} على بناء الفعل للفاعل، وهو الأصل، دليله {أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}، {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ}. وقرأ الباقون {تُرْجَعُ} على بنائه للمفعول، وهى أيضا قراءة حسنة، دليله {ثُمَّ تُرَدُّونَ}، {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ}، {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي} والقراءتان حسنتان بمعنى، والأصل الأولى، وبناؤه للمفعول توسع وفرع، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد. وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا. {سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211)} قوله تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} {سَلْ} من السؤال: بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل. وقيل: إن للعرب في سقوط ألف الوصل في: {سَلْ} وثبوتها في واسئل وجهين: أحدهما- حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى، وجاء القرآن بهما، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها. والوجه الثاني- أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ، مثل قوله: {سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ}، وقوله: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ}. وثبت في العطف، مثل قول: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ}، {وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} قاله علي بن عيسى. وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه اسأل على الأصل. وقرأ قوم أسل على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل، على لغة من قال: الأحمر. وكَمْ في موضع نصب، لأنها مفعول ثان لآتيناهم. وقيل: بفعل مضمر، تقديره كم آتينا آتيناهم. ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لان لها صدر الكلام. {مِنْ آيَةٍ} في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر في آتيناهم، ويصير فيه عائد على كم، تقديره: كم آتيناهموه، ولم يعرب وهى اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتى بمن كما في هذه الآية، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر: كم بجود مقرف نال العلا *** وكريم بخله قد وضعه والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه. قال مجاهد والحسن وغيرهما: يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك. وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ. قوله تعالى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ} لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بنى إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاللفظ منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش، فإن بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا. قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ} خبر يتضمن الوعيد. والعقاب مأخوذ من العقب، كأن المعاقب يمشى بالمجازاة له في آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب وعقبة القدر. فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب، وقد عاقبه بذنبه. {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212)} قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا} على ما لم يسم فاعله. والمراد رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل. قال النحاس: وهى قراءة شاذة، لأنه لم يتقد للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبى عبلة {زينت} بإظهار العلامة، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا. قوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} إشارة إلى كفار قريش، فإنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها، ويسخرون من أتباع محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال ابن جريج: في طلبهم الآخرة. وقيل: لفقرهم وإقلالهم، كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم، رضي الله عنهم، فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. وروى على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده». ثم قيل: معنى: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} أي في الدرجة، لأنهم في الجنة والكفار في النار. ويحتمل أن يراد بالفوق المكان، من حيث إن الجنة في السماء، والنار في أسفل السافلين. ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار، فإنهم يقولون: وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم، ومنه حديث خباب مع العاص بن وائل، قال خباب: كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال فقلت له: إنى لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟! فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد، الحديث. وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى. ويقال: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وبه، كل ذلك يقال، حكاه الأخفش. والاسم السخرية والسخرى والسخرى، وقرئ بهما قوله تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا} وقوله: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا}. ورجل سخرة. يسخر منه، وسخرة- بفتح الخاء- يسخر من الناس. وفلان سخرة يتسخر في العمل، يقال: خادمه سخرة، وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة. قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ} قال الضحاك: يعني من غير تبعة في الآخرة. وقيل: هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين، أي يرزقهم علو المنزلة، فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم. وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى، فهو لا ينفد. وقيل. إن قوله: {بِغَيْرِ حِسابٍ} صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد، ففضله كله بغير حساب، والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد، قال الله تعالى: {جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً}. والله أعلم. ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين، كما قال: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ}. {كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} قوله تعالى: {كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً} أي على دين واحد. قال أبى بن كعب، وابن زيد: المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم فأقروا له بالوحدانية. قال مجاهد: الناس آدم وحده، وسمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل. وقيل: آدم وحواء. وقال ابن عباس وقتادة: المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح، وهى عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده. وقال ابن أبى خيثمة: منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة. وقيل: أكثر من ذلك، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة. وعاش آدم تسعمائة وستين سنة، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة، متمسكين بالدين، تصافحهم الملائكة، وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه السلام فاختلفوا. وهذا فيه نظر، لأن إدريس بعد نوح على الصحيح. وقال قوم منهم الكلبي والواقدي: المراد نوح ومن في السفينة، وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا. وقال ابن عباس أيضا: كانوا أمة واحدة على الكفر، يريد في مدة نوح حين بعثه الله. وعنه أيضا: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة، كلهم كفار، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين. فـ {كان} على هذه الأقوال على بابها من المضي المنقضى. وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين قدر في الكلام فاختلفوا فبعث، ودل على هذا الحذف: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين، مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى. وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين إليهم. ويحتمل أن تكون {كانَ} للثبوت، والمراد الاخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص {كانَ} على هذا التأويل بالمضي فقط، بل معناه معنى قوله: {وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. و{أُمَّةً} مأخوذة من قولهم: أممت كذا، أي قصدته، فمعنى: {أُمَّةً} مقصدهم واحد، ويقال للواحد: أمة، أي مقصده غير مقصد الناس، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قس بن ساعدة: «يحشر يوم القيامة أمة وحده». وكذلك قال في زيد بن عمر وابن نفيل. والامة القامة، كأنها مقصد سائر البدن. والامة بالكسر: النعمة، لأن الناس يقصدون قصدها. وقيل: إمام، لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل، عن النحاس. وقرأ أبي بن كعب: {كان البشر أمة واحدة} وقرأ ابن مسعود {كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث}. قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر، وأول الرسل آدم، على ما جاء في حديث أبى ذر، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي. وقيل: نوح، لحديث الشفاعة، فإن الناس يقولون له: أنت أول الرسل. وقيل: إدريس، وسيأتي بيان هذا في الأعراف إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} نصب على الحال. وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ اسم جنس بمعنى الكتب. وقال الطبري: الألف واللام في الكتاب للعهد، والمراد التوراة. ولِيَحْكُمَ مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو نصب بإضمار أن، أي لان يحكم، وهو مجاز مثل: {هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}. وقيل: أي ليحكم كل نبى بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب. وقراءة عاصم الجحدري {ليحكم بين الناس} على ما لم يسم فاعله، وهى قراءة شاذة، لأنه قد تقدم ذكر الكتاب. وقيل: المعنى ليحكم الله، والضمير في: {فِيهِ} عائد على ما من قوله: {فِيمَا} والضمير في: {فِيهِ} الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب، أي وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه. موضع {الَّذِينَ} رفع بفعلهم. و{أُوتُوهُ} بمعنى أعطوه. وقيل: يعود على المنزل عليه، وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قاله الزجاج. أي وما اختلف في النبي عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} نصب على المفعول له، أي لم يختلفوا إلا للبغي، وقد تقدم معناه. وفى هذا تنبيه على السفه في فعلهم، والقبح الذي واقعوه. و{فَهَدَى} معناه أرشد، أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من كان قبلهم. وقالت طائفة: معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض، فهدى الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها. وقالت طائفة: إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين، من قولهم: إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. وقال ابن زيد وزيد بن أسلم: من قبلتهم، فإن اليهود إلى بيت المقدس، والنصارى إلى المشرق، ومن يوم الجمعة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: «هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد» ومن صيامهم، ومن جميع ما اختلفوا فيه. وقال ابن زيد: واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربا، فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبد الله. وقال الفراء: هو من المقلوب- واختاره الطبري- قال: وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما اختلفوا فيه. قال ابن عطية: ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه، وعساه غير الحق في نفسه، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء، وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه، لأن قوله: {فَهَدَى} يقتضى أنهم أصابوا الحق، وتم المعنى في قوله: {فِيهِ} وتبين بقوله: {مِنَ الْحَقِّ} جنس ما وقع الخلاف فيه، قال المهدوي: وقدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتماما، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف. قال ابن عطية: وليس هذا عندي بقوى. وفى قراءة عبد الله بن مسعود {لما اختلفوا عنه من الحق} أي عن الإسلام. و{بِإِذْنِهِ} قال الزجاج: معناه بعلمه. قال النحاس: وهذا غلط، والمعنى بأمره، وإذا أذنت في الشيء فقد أمرت به، أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه. قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} رد على المعتزلة في قولهم: إن العبد يستبد بهداية نفسه.

تابع القراءة>>

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut