06 صفر 1440 هـ الموافق ١٦ تشرين الأول ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

آيات الصيام: مقاصد وأحكام

17:09 مساء الجمعة, 05 رمضان 1437 هـ الموافق 2016-06-10 17:09:51

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسولِ الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. وبعد: فهذه وقفات مُوجزة مع آيات الصيام قصدت بها توضيحَ مقاصد الآيات وبيان مَعانيها، مُهتديًا ومسترشدًا بما قاله المفسرون، ومن المُهم التنبيه على ضرورة رَبْطِ فقه الصيام في تقرير أحكامه بالآيات المنزلة فيه؛ لجعل عبادة الصيام مُرتبطة بمرجعيتها القرآنية وبيانها النبوي. ولعلَّ من المثالب والمعايب التي اتَّصفت بها المتون الفقهية وشروحاتُها وحواشيها عزلَ الأحكام الفقهية عن مَراجعها النصية، مع العلم أنَّ هذه الأحكامَ مأخوذةٌ استنباطًا واستخراجًا من الكتاب والسنة؛ لكونهما المصدرين الأصلِيَّين في الاجتهاد واستخراج الأحكام، ويحسب لمدرسة الأثر ربطها الأحكامَ بنصوصها، إلاَّ أنَّه يعيبها غيابُ النظر المقاصدي، وكان حريًّا بمدارس الفقه الإسلامي التأكيد على قراءة النصوص ومُقتضياتِها ومقاصدها في تقرير الأحكام، ولا شَكَّ أن النص الشرعي قرآنًا وسنة يستبطن حكمَه الظاهر ومَقصده المكنون. وهنا تتجلى وظيفة الفقيه والمجتهد في قراءةِ النص من أجل التعرُّف على أحكامه ومقاصده، وفقًا لمنهجِيَّة أصولية معتبرة تستحضر معهودَ التنزيل وأسلوبَ القرآن العربي، وما يتعلَّق به من أسباب للنُّزول وناسخ ومنسوخ، واعتبار قواعد الألفاظ، وغير ذلك من قواعد التعامُل مع النص الشرعي. وعليه؛ فبين يدي القارئ استعراض لآيات الصيام، وقراءة موجزة في مقاصدِها وأحكامها؛ عَلَّها تكون عونًا للمسلم المعاصر في فقهها وتنزيلها على الواقع؛ لتكونَ العبادة آخذة بجوامعه قلبًا وروحًا وجسدًا. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ * أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183 - 187]. قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: استئناف ابتدائي لفصل هذه الآية عن التي قبلها، وإنَّما فصلت؛ لاختلافِ الغَرَضين، واختلاف الحُكمَين، فالآياتُ السابقة تَختص بحكم القصاص والوَصِيَّة، وهذه الآيات إنَّما تتعلق بأحكام الصيام. وهذا الجزء من الآية فيه جملة من الفوائد: 1- وصف الله المخاطبين بـ﴿ الذين آمنوا ﴾، ولم يقل: المؤمنون؛ وذلك خشيةَ اعتقادِ أنَّ هذا الحكم خاص بالمخاطبين، فقوله: ﴿ يا أيها المؤمنون ﴾ يَحتمل وجهين: العهد والاستغراق، فأتى بالكلمة التي لا تَحتمل إلاَّ وجهًا واحدًا وهو العموم؛ لأنَّ كلمةَ "الذين" اسم موصول، والأسماء الموصولة كما هو مَعروف عند علماء الأصول تُفيد العموم؛ قال ابن عاشور[1]: "الظاهر أن خطابات التشريع ونَحوها غير جارية على المعروف في توجُّه الخطاب في أصلِ اللغات؛ لأنَّ المشرع لا يقصد لفريق مُعين، وكذلك خطاب الخلفاء والولاة في الظهائر والتقاليد، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة"؛ لذلك نقول: إنَّ الخطابَ هنا - وفي غيره - للعموم. 2- وصفُ الله المخاطبين بالإيمان دليلٌ على أنَّ الخطاب هنا خاصٌّ بمن تَحقَّق فيه شرط الإيمان، وأمَّا الكفار، فليسوا داخلين في الخطاب ولا الحكم، من حيث أداؤه لا من حيث توجه الخطاب، وهي مسألة اختلف فيها أهلُ العلم: هل الكفارُ مُخاطبون بفروع الشريعة أو لا؟ والجمهور على أنَّهم داخلون في الخطاب، وإن لم يذكروا، ولكن لا عِبْرَة بفعلهم؛ لوجودِ المانع وهو الكفر، وإنَّما خُصَّ المؤمنون بالذكر تشريفًا لهم كما قال الشوكاني نقلاً عن بعض أهل العلم: "إنَّ المسلمين والمؤمنين خُصِّصوا من باب خطاب التشريف لا خطاب التخصيص"[2]. والدليل على أنَّ الكافرَ داخلٌ في الخطاب قوله - تعالى -: ﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾ [المدثر: 39 - 45]. 3- وفي قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إشارة إلى أنَّ الإيمان شرطٌ لقَبول العمل، والإيمان هو: "الإقرارُ المستلزم للقَبول والإذعان"، فلا بُدَّ من الإقرار بالقَلب واللسان، والقَبول باللسان، والانقياد بالجوارح، وحُذِفَ المتعلق؛ لدلالة ما قبله عليه في قوله - تعالى - بداية السورة: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 3]، والإيمان له لوازمُ ينبغي معرفتها، والتحلي بها، نذكرها إجمالاً: إخلاص العمل لله، وتعظيم القرآن الكريم، ومَحبة الله ورسوله، والتمسُّك بما عليه الجماعة، ومَحبة المؤمنين؛ روى الإمام البخاري في صحيحه[3] من حديث أنس - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثٌ مَن كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أنْ يكونَ الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأنْ يُحب المرء لا يُحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ في الكفر كما يكره أنْ يقذف في النار))؛ قال الحافظ ابن حجر: "شَبَّهَ رغبةَ المؤمن في الإيمان بشيء حُلْوٍ، وأثبت له لازمَ الشيء وأضافه إليه"[4]. 4- في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ جاء الخطاب للمؤمنين بصيغة الجمع، وهذا فيه إشارةٌ إلى أنَّ الأمةَ جماعة واحدة على منهجٍ واحد، فلا يَجوز تفرقها، وهذا في جميع خطابات الشرع، وقد جاءت أدلَّة كثيرة، ونصوص صريحة من كتاب الله، وسنة رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأقوال سلف الأمة في الأمر بالجماعة؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وقوله: ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13]؛ روى الذهبي في سيره[5]: "قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أَنِ اكتُب إلَيَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إنَّ العلمَ كثير، ولكن إنِ استطعتَ أنْ تلقى الله خفيفَ الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضِهم، لازمًا لأمر جماعتهم - فافعل". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أمرنا بملازمة الإسلام إلى الممات، كما أمر الأنبياء جميعهم بالإسلام، وأنْ نعتصمَ بِحَبله جميعًا ولا نتفرق، ونهانا أنْ نكونَ كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وهذا نظير قوله للرسل: ﴿ أنْ أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾، فهذه النصوص وما كان في معناها تُوجِب علينا الاجتماع في الدين، كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين"[6]. قوله - تعالى -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾: الصيام في اللغة: الإمساك؛ قال تعالى: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ﴾ [مريم: 26]، وأمَّا في الشرع، فهو: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبُّد لله - تعالى - ومن حكمة الله - تعالى - أنَّه نوَّع العبادات اختبارًا للمكلف كيف يكون امتثاله، هل يكون من جهة اتباع الهوى، أو من جهة إعلان العبودية لله - عزَّ وجلَّ - وهذا التقسيم والتنويع للعبادات جاء حتى يعرفَ مَن يَمتثل تعبدًا لله ممن يَمتثل تبعًا لهواه، هذا مع العلم أن الأصل في العبادات أنَّها غير معقولة المعنى، فالأصلُ فيها التعبد، ولكن لا يَمنع تلمس المعاني والمقاصد التي قصدها الشارع في تشريعه للعبادات، والمؤمن إذا اهتدى إليها كانت تثبيتًا وتأكيدًا لإيمانه، ودفعًا للاستزادة من الإيمان؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]. قوله - تعالى -: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾: فيه إشارة إلى أن امتثالَ هذا الأمر يجعل المؤمن داخلاً في رَكْبٍ فيه أعظم من وجد على وجه البسيطة، هم الأنبياء والمرسلون وأتباعهم، ففي امتثالِ هذا الأمر تشريفٌ للمؤمن؛ لأنَّ له انتسابًا إلى خير الخلق؛ قال الشيخ عبدالرحمن السعدي في تفسيره: "يُخبر تعالى بما مَنَّ به على عباده بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنَّه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كلِّ زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة بأنَّه ينبغي لكم أنْ تنافسوا غيرَكم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة التي اختُصِصْتم بها"[7]. قوله - تعالى -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾: هذه الجملة تعليلية فيها معنى المفعول لأجله؛ لأنَّ الغاية من امتثال هذا الأمر حصول التقوى، ولقد جاء الخبر هنا جملة فعلية، وهي تتقون، وهي صيغة الفعل المضارع، التي تفيد التجدد والحدوث؛ أي: إنَّ التقوى تتجدد من قبل صاحبها مع أنَّ أصلها ثابت والمراد الزيادة، ولقد حذف المعمول؛ وذلك لأنه معلومٌ، والتقدير: لعلكم تتقون عذاب الله - تعالى - وهذا هو معنى التقوى الذي قرَّره العلماء، وهو: أن يَجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقايةً بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. والصوم من أكبر أسباب التقوى؛ وذلك لأمور: 1- أنَّ فيه تركَ الطعام والشراب والجماع وغيرها، مع العلم أنَّها أمور تَميل إليها النفس، والغاية التقرُّب إلى الله راجيًا بتركها ثوابه، وهذا من التقوى. 2- أن في الصوم مراقبة لله، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه؛ لعلمه باطلاع الله عليه. 3- أن في الصيام الإكثار من الطاعات، والطاعات هي من خصال التقوى. 4- أن في الصيام التعرُّف والتحسس لما يُعانيه الفقراء من ألَم الجوع والعطش، ففيه معنى المواساة لهم، وهذا من التقوى. قال ابن القيم: "وللصوم تأثيرٌ عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يَحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]... والمقصود: أنَّ مصالح الصوم لَمَّا كانت مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحِمْيَة لهم وجنة"[8]. قوله - تعالى -: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾: من رحمة الله - تعالى - بهذه الأمة أنْ رَبَطَ أحكامَ الشريعة المكلفة بها بالاستطاعة؛ قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، وقال: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا ﴾ [الطلاق: 7]، فجعل الصيام أيامًا معدودات؛ أي: قليلات، ولم يَجعلها كثيرة؛ لئلا يشق على المكلفين، والواقع أنَّ الشريعة ليس فيها مشقة، وإن وجدت فهي مُحتملة كما قال العلماء، وإذا وصل بها الحد إلى المشقة غير المحتملة، سقط الواجب عندها؛ ولذلك قعَّد العلماء قاعدة: "لا واجب مع العجز". قوله - تعالى -: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾: في هذه الجملة محذوف وتقديره: فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فأفطر، فعِدَّة من أيام أخر، وهذا يُسميه أهلُ العلم دلالة الاقتضاء، وهي توقُّف الكلام على مَحذوف لو لم يقدر، لكان الكلام مَعيبًا، وهذا القدر من الآية مُتعلق بالأعذار التي تُبيح الفطر في رمضان، فالمرضُ المبيح للفطر هو الذي يشق على المكلف معه الصَّوم، وهذه المشقة المصاحبة للمرض عند التلبس بعبادة الصوم هي التي تَجعل الحكم الشرعي مُتغيرًا من الإيجاب بالصوم إلى إباحة الفطر. وعليه؛ فإنَّ المرض المقصود في الآية ليس كل مرض، وإنَّما هو الذي يترتب عليه المشقة والضَّرَر، أمَّا المرض الخفيف الذي ليس له أثر على المكلف عند التلبس بالعبادة، فليس مُعتبرًا في تغير الحكم الشرعي. قوله - تعالى -: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾: كان فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة، وقد فرض على مرحلتين: الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام، والصوم أفضل، وهو الذي دلَّت عليه هذه الآية. الثانية: تعيين الصيام وبَقاء الإطعام لمن لم يَستطع الصيام من الرجل الكبير، والمرأة الكبيرة، أو المريض الذي لا يُرجى بُرؤه، ولا يستطيع الصيام. روى مسلم في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه -[9] قال: "كُنَّا في رمضان على عهد رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من شاء صام، ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين، حتى أُنْزِلت هذه الآية: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ [البقرة: 185]، وفي رواية قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. وقد روى البخاريُّ عن ابن عباس قوله[10]: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أنْ يَصوما، فيطعمان مكانَ كل يوم مسكينًا، وهذا الذي قرَّره ابنُ عباس هو الذي يظهر لنا، وعليه فإن الآية متعلقة بالمرض الذي لا يُرجى برؤه، ويشق معه الصوم، وكذلك المكلف الذي بلغ من الكبر عتيًّا؛ بحيث لا يستطيع الصوم، ومن الجدير ذكرُه في هذا السياق أنَّ هناك من المكلفين مَن يدخل عليهم الخرف؛ بسببِ تقدُّمهم في السن، وهؤلاء على صُورتين: الأولى: أنْ يستحكمَ الخرف فيهم؛ بحيث يصبح المرءُ لا يعقل شيئًا، ففي هذه الحالة يرتفع عنهم التكليف، فلا صومَ ولا كفارة، والصورة الثانية: أنْ يكونَ حالُهم مُتفاوتًا، فيكون تارة عاقلاً، وتارة أخرى خرفًا، وهنا ينبغي التنبه إلى أنَّه مكلف حال كونه عاقلاً، فيجب أمره بالصوم، وإلاَّ فعليه الكفارة، وأمَّا في حالة كونه خرفًا، فإن التكليف يسقط عنه، فلا صَوْمَ ولا كفارة. قوله - تعالى -: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾: والتقدير: وصومكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون، وحذف مُتعلق بعد خير؛ لإفادة العموم، فالخيرية عامَّة شاملة لأمور الدين والدنيا. قوله - تعالى -: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾: أي: هذا الصوم يكون في شهر رمضان، وهذه فضيلة لهذا الشهر الكريم، وزاده فضيلة أخرى، وهي إنزال كتاب الله - تعالى - قال الشنقيطي: "لَم يبيِّن هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنَّه بيَّن في غير هذا الموضع أنَّه أنزل في ليلة القدر من رمضان في قوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وقوله: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ [الدخان: 3]؛ لأنَّ الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق، وفي معنى إنزاله وجهان: الأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس، الثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله، كما قال به بعضهم"[11]. قوله - تعالى -: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾: هدى هنا قد يكون حالاً، وقد يكون مفعولاً لأجله، وهنا الهدى ورد نكرة، والنكرة عند أهل العلم تعُمُّ، فهدايةُ القرآن عامة شاملة، والتنوين في هدًى للتعظيم، وهذا أسلوب معروف في القرآن أنَّ النكرةَ قد يُراد بها التعظيم، وقد يُراد بها التحقير، وكلاهما في كتاب الله - تعالى - أمَّا التعظيم فهنا مثاله، وأمَّا التحقير كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ [البقرة: 96]؛ قال أهلُ العلم: النكرة هنا للتنويع، سواء كانت عزيزة أم ذليلة، المهم عندهم أنَّها حياة؛ قال السعدي: "هو القرآن الكريم المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحقِّ والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة، فحقيقٌ بشهر هذا فضله"[12]. قوله - تعالى -: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 185]: وهنا أعاد الرُّخصة؛ خشيةَ أنْ يظن أنَّها منسوخة بحكم ذكرها في الآية السابقة، وهي منسوخة على مَن قال بالنسخ، كما تقدم آنفًا، فقرر أنَّها ما زالت قائمة. قوله - تعالى -: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ [البقرة: 185]: وهذه قاعدةُ الشريعة في الحكمة من التشريع، فإنْ قصد الشارع في وضع الشريعة أنْ لا تكليفَ بما لا يطاق، ولا تكليف بما فيه حرج، وقد ذكر أهلُ العلم أنَّ الحرج مرفوع عن المكلف لوجهين: الأول: الخوف من الانقطاع في الطريق وبغض العبادة. الثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع. قال الشاطبي: "اعلم أنَّ الحرج مرفوع عن المكلف؛ لوجهين: أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله، والثاني: خوف التقصير عند مُزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أُخَر تأتي في الطريق، فربَّما كان التوغُّل في بعض الأعمال شاغلاً عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربَّما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء، فانقطع عنها"[13]. لذلك كانت الصفة التي اتَّسمت بها الشريعة هي الاعتدال لتناسب العباد. قال ابن كثير في تفسيره معلقًا على هذه الآية: "أي: إنَّما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار؛ لإرادته بكم اليسر، وإنَّما أمركم بالقضاء؛ لتكملوا عِدَّة شهركم"[14]؛ قال ابن الجوزي مُبينًا حقيقة المرض والسفر المبيحين للفطر: "ليس المرض والسفر على الإطلاق، فإنَّ المريضَ إذا لم يضر به الصوم، لم يَجز له الإفطار، وإنَّما الرحمة مَوقوفة على زيادة المرض بالصوم، واتفق العلماء على أنَّ السفر مقدر"[15]. قوله - تعالى -: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾: قال الآلوسي: "﴿ ولتكبروا الله ﴾ عِلَّة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته، ﴿ ولعكم تشكرون ﴾ عِلَّة الترخيص والتيسير، وتغيير الأسلوب؛ للإشارة إلى هذا المطلوب بمنزلة المرجوِّ؛ لقوة الأسباب المتآخذة في حصوله، وهو ظهور كون الترخيص نعمة، والمخاطب موقن بكمال رأفته وكرمه مع عدم فواتِ بَركات الشهر، وهذا نوعٌ من اللفِّ لطيف المسلك قَلَّما يُهتدى إليه؛ لأنَّ مُقتضى الظاهر ترك الواو؛ لكونها عللاً لما سبق؛ ولذا قال: مَن لَمْ يبلغ درجة الكمال إنَّها زائدة أو عاطفة على علة مقدرة ووجه اختياره، أمَّا على الأول فظاهر، وأمَّا على الثاني، فلِمَا فيه من مزيد الاعتناء بالأحكام السابقة مع عدم التكلف؛ لأنَّ الفعل المقدر؛ لكونه مُشتملاً على ما سبق إجمالاً يكون ما سبق قرينة عليه مع بقاء التعليل"[16]. قوله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]: وَجْهُ جَعْلِ هذه الآية بعد آيات الصيام أنَّ فيها إشارةً إلى أن الصيام والدعاء متلازمان، فإنَّ العبد خلال صيامه وقيامه وطاعته وبعده عن المعاصي والسيئات يكون قريبًا من ربِّه - سبحانه - وإذا اقتربَ العبدُ من ربه، استجاب دُعاءَه، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال[17]: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلَيَّ عبدي بشيء أَحَبَّ إِلََيَّ مِما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلَيَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سَمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يَمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). وقوله: ﴿ عبادي ﴾ إضافة تشريف وتكريم لهم؛ إذ أضافهم إلى نفسه - سبحانه - وكان الجواب بلا واسطة؛ إذ الغالبُ في السؤال في القرآن يكون جوابه: قل، إلاَّ في هذا الموضع، وذلك للإشعار بأنَّ الله قريب إلى العبد بلا واسطة. قوله - تعالى -: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]: هنا حذف المعمول؛ ليدلَّ على العموم، فالرشادُ يَحصل لهم في أمورِ الدين والدُّنيا؛ قال الشوكاني في تفسيره: "قوله: ﴿ فليستجيبوا لي ﴾؛ أي: كما أجبتهم إذا دعوني، فليستجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: يطلبون إجابة الله - سبحانه - لدُعائهم باستجابتهم له؛ أي: القيام بما أمرهم به، والترك لما نهاهم عنه"[18]. قوله - تعالى -: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187]: هذه الآية استفاض في بيانِها المفسرون؛ لأنَّ فيها مسائلَ كثيرة؛ قال القرطبي في تفسيره: "فيه ست وثلاثون مسألة"[19]؛ قال الصابوني مُبينًا المعنى الإجمالي: "وقد يسر - تعالى - على عباده وأباح لهم التمتُّع بالنساء في ليالي رمضان، كما أباح لهم الطعام والشراب، وقد كان ذلك من قبلُ محرمًا عليهم، ولكنه - تعالى - أباح لهم الطعام والشراب، والشهوات الجنسية من الاستمتاع بالنساء؛ ليُظْهِرَ فضله عليهم، ورحمته بِهم، وقد شَبَّه المرأة باللباس الذي يستر البدن، فهي ستر للرجل وسكن له، وهو ستر لها؛ قال ابن عباس: معناه: "هن سكن لكم وأنتم سكن لهن"، وأباح معاشرتهن إلى طلوع الفجر، ثُمَّ استثنى من عموم إباحة المباشرة مباشرتهن وقتَ الاعتكاف؛ لأنَّه وقت تبتل وانقطاع للعبادة، ثُمَّ ختم - تعالى - هذه الآيات الكريمة بالتحذير من مُخالفة أوامره، وارتكاب المحرمات والمعاصي، التي هي حدود الله، وقد بيّنها لعباده؛ حتى يجتنبوها، ويلتزموا بالتمسك بشريعة الله؛ ليكونوا من المتقين"[20]. وأهم ما تتضمنه الآية من مسائل ما يأتي: 1- جواز مجامعة المرأة في أي جزء من أجزاء الليل: ويلزم من ذلك أنْ يكونَ المكلف عند جماعه في آخر لحظة من الليل جُنُبًا أن يدخل عليه الفجر وهو جُنُب، وهذا لا يؤثر في الحكم، فقد ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - أنْ شرع في الصوم وهو جُنُب. 2- إباحة الأكل والشرب: والآية وإن جاءت في سياق الأمر، إلاَّ أنَّه مُراد، وإنَّما المراد به الإباحة؛ لأنَّه أمر جاء بعد الحظر، والقاعدة عند الأصوليِّين: أنَّ الأمر بعد الحظر إباحة، أو أنَّه يعود إلى ما هو عليه قبل الحظر، وهنا يُنبِّه إلى أنَّ الفجرَ المقصود في الآية هو الفجر الصادق، الذي ينتشر أفقيًّا وليس عموديًّا، فإن الأخير يُعَدُّ كاذبًا، وقد جاء في الصحيح من حديث أنس: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم))[21]. 3- إن زمن الصيام ممتد من الفجر الصادق حتى غروب الشمس: كما دَلَّ عليه الهدي النبوي، وعليه فإن المقصود من الليل في الآية التلبس بأول جزء من الليل وهو سقوط قرص الشمس وغيابه، وعند تَحقُّق ذلك شرع التعجل بالفطر؛ لأنَّه الهدي النبوي الكريم، وسبب للخيرية في الأمة، كما دل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لا يزال الناسُ بخير ما عجلوا الفطر))[22]. 3- يشرع الاعتكاف ويتأكد في رمضان: وخاصَّة في العشر الأواخر منه، كما دلَّت عليه النصوص النبوية، والاعتكاف شرعًا: لزوم المسجد؛ طاعةً لله، وله شروط وآداب مظانُّها كتب الفقه والأحكام، والآية دَلَّت على أن الاعتكاف إطارُه المسجد دون سواه، واختلف أهلُ العلم في المراد بالمساجد في الآية، فمن قائل: المراد بها جنس المساجد، فتكون (أل) التعريف فيها جنسيةً، وهو قولُ الجمهور، ومن قائل: إنَّ المرادَ بِها المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، ومرجع الخلاف حديثٌ ثابت عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - رواه حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((لا اعتكافَ إلاَّ في المساجد الثلاثة))[23]، إلا أن الجمهور ردُّوا على هذا الاستدلال، وأجابوا عن حديث حذيفة بأنَّ المراد الأفضلية وليس الحصر، ومعناه: أنَّه لا اعتكافَ أفضلُ من المساجد الثلاثة. [1] "التحرير والتنوير"، محمد الطاهر بن عاشور، ج1ص320. [2] "إرشاد الفحول"، محمد بن علي الشوكاني، ج1ص222. [3] رقم الحديث: 16. [4] "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، ج1ص136. [5] "سير أعلام النبلاء"، الذهبي، ج3ص222. [6] "مجموع الفتاوى"، شيخ الإسلام ابن تيمية، ج19ص115. [7] "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، ص94. [8] "زاد المعاد في هدي خير العباد"، ابن قيم الجوزية، ج2ص28. [9] رقم الحديث: 1145. [10] رقم الحديث: 4235. [11] "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن"، محمد الأمين الشنقيطي، ج1ص73. [12] "تيسير الكريم الرحمن"، مرجع سابق، ص95. [13] "الموافقات في أصول الشريعة"، أبو إسحاق الشاطبي، ج2ص136. [14] "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير، ج1ص295. [15] "زاد المسير في علم التفسير"، أبو الفرج ابن الجوزي، ج1ص185. [16] "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني"، ج2ص62. [17] رقم الحديث: 6137. [18] "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"، ج1ص185. [19] "الجامع لأحكام القرآن"، شمس الدين القرطبي، ج2ص314. [20] "روائع البيان في تفسير آيات الأحكام"، ج1ص193. [21] أخرجه مسلم، برقم: 2588. [22] أخرجه مسلم، برقم: 2608. [23] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، برقم: 8357، وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة"، برقم: 2786.

تابع القراءة>>

تأملات في آية الصيام

09:47 صباحاً الخميس, 04 رمضان 1437 هـ الموافق 2016-06-09 09:47:19

يجِب قبل الشُّروع في عبادةٍ ما، أن يتأمَّل المسلم الآياتِ التي شرَع الله تعالى فيها هذه العبادة، فإنَّ في تدبر الألفاظ والمعاني موجِّهات للإيمان يجِب الأخذُ بها، فلكلِّ عبادة حِكَمٌ ومقاصدُ، وقِيمٌ وفوائد. وفي هذه السطور نحاول الوقوفَ عندَ اللفظ القرآني لنستجليَ ما حُشِدَ به من معانٍ وأحكام.

تابع القراءة>>

رمضان والقرآن [1]: آيات الصيام والفكر الإسلامي

12:42 مساء السبت, 28 شعبان 1437 هـ الموافق 2016-06-04 12:42:28

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {البقرة/185} وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ {البقرة/186} أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) {البقرة/187} لنتفكر بالآيات التي أمامنا ، سنجد عناصر مهمة تربط هذه الآيات بمعان من الحياة، نجد الفرض وهو الصوم، ونجد القرآن وهو الخط الذي اقر للناس، ونجد التكليف على القدرة، ونجد قرب الله من الناس وأنه لم يخلق ويغادر خلقه بل خلق ودبر، ونجد أن الطاقة للإنسان محسوبة في تكليفه، ثم نجد أن هنالك خيط فاصل بين أن تكون خارقاً لحدود الله وبين التسهيلات المقدمة لك، فالتسهيل بنظام والخروج عن الحدود فيه نبرة تهديد تقشعر لها الأبدان. إن الصبر في رمضان ليس إلا صبراً لهدف في عمل هذا العمل الذي يتحدث فيه قرآن مُنزّل من لدن حكيم عليم؛ أن سيروا بما علمكم الله وليس ذا الجلال والإكرام بتارككم فهو قريب مستجيب ولكن ليس للأماني والرغبات أو للقاعدين المستسلمين وإنما للعاملين الساعين للأهداف، أولئك هم (العباد) والعباد تطلق بالتعبير القرآني على الناس الصالحين، وأما غيرهم فيكنون بكلمة أخرى لها مدلول آخر (العبيد) (وما الله بظلام للعبيد)، في ذات الوقت فالله عارف بقدرتك وبتحملك عارف بطبيعتك وخواصك فهو خلقك، ليست الغاية حرمانك من الحياة وإنما الغاية أن تتعامل مع الحياة وقت معلوم لا يحكمك بغيره بذات المطالب، مابين المنع المطلق، والإباحة للمباح فاصل زمني، إذن هنالك أموراً يجب أن تراعيها وتفهمها وهي الملائم من الظرف والوقت لتنفيذ الأحكام في أوانها وذلك هو الرشاد، عندما تصل لهذا فعليك أن تكون من المتقين، لا أن تتوجه بلا استخلاص وتنقية للنفس فتذهب لتأكل أموال الناس أو الاعتداء على ما ليس لك به حق… هنالك نظام في هذا الكتاب عليك أن تراجعه وأنت صائم لا تنسى أن تفهمه وأن هنالك قوانين حتى وأنت تتعامل مع أعدائك، فالأصل هو أن تصل إلى الهدف الذي هو ما راعاك الله به، فعليك أن لا تعتدي وإنما تجعل هدفك لله وفي سبيله، فهذا القرآن هو هدى للناس وبينات من الهدى وفرقان بين الجاهلية والإسلام فلا ينبغي أن تتصرف بسلوك الجاهلية وأنت تريد تحقيق رضا الله أو التوجه لهداية الناس وليس أخذ أموالهم بالنفوذ والادِّعاء أو استعبادهم، إن اليسر الذي يريده الله لا ينبغي أن نفعل نحن العباد سواه ونكون معسرين منفرين، اننا لا نحدد أرزاقنا، ولا نعرف أين المصلحة حقا، لكننا نخطط بما نعلم مدركين أن في تقوى الله تسديد ورشاد، وبالعمل نتيجة يشكر الله عليها وأن الهزيمة في القعود والاستسلام لهوى النفس، لغرائزها وحاجاتها، فمتى انتظمت الغرائز والحاجات كانت شخصية الإنسان مستقرة واضحة المعالم منتمية للفكر القرآني، لا يقول لنا اكبتوا أو امنعوا أو كن ملاكا، وإنما يقول لنا نظموها وهذا ما يرى بوضوح من ربط بين الصيام والفكر الإسلامي، وبين الدنيا التي تقود لآخرة بدربين لهما القرآن فرقانا. لقد خلقك الله لخلافة الأرض ولحياة نحياها، وجعل فيك تلك الغرائز والحاجات من أجل هذا كان الفكر منظما لها، فمن اتبعه سلك الرشاد، ولعلنا اليوم نرى الأمور مابين تارك هالك وبين منبتَّ لا أرض قطع ولا ظهرا أبقى، وبين مستسلم جائر على نفسه وثائر يحمل النفس فوق ما تطيق فيشقى ويشقي ولا يدرك الدرب إلى الله، فلنتفكر.

تابع القراءة>>

النظام القرآني للصيام

12:38 مساء السبت, 28 شعبان 1437 هـ الموافق 2016-06-04 12:38:11

ذكر الله تعالى قبل ذكر آيات الصيام آيات تتعلق بمجالين من المجالات الحياتية العامة في سورة البقرة هما مجال حفظ الحياة {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178]، ومجال الترابط المجتمعي للأجيال بالوصية {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} [البقرة:180]، وهما يعتمدان على ضبط النفس وتقواها وهنا ذكر الله تعالى عبادة تعين على التهذيب والتأديب والتقوى وضبط النفس، ويقبل عليها الناس بصورة لا توجد في غيرها من العبادات وهي عبادة الصيام. أسلوب القرآن في هذا الموضع: جاء أسلوب القرآن على هيئة مواد قانونية دون أن تخلو من مزجها التربوي التزكوي الرائع الفريد بنور الموعظة، وجمال التأثير العاطفي، ولنلق نظرة واعية على سلاسل النور القرآنية في هذا الموضع: أولاً: الأسس العامة لنظام الصيام: تكون من ست مواد: المادة الأولى: فرض الله الصيام، وهو توحيد عبادي كما فُرِض على من قبلنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة:183]. المادة الثانية: الغاية الكبرى للصيام وأعظم أهدافه: التقوى {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. فتستنير قلوبكم وعقولكم بما به تؤمنون، وتقومون بحقوق الخالق وحقوق الخلق وأنتم محسنون. والصيام يعلم التقوى لأن أساس التقوى الصبر على الطاعات وعن المعاصي وعلى الأقدار، والصيام يعلم ذلك كله، وعند أحمد والترمذي وحسنه عن رجل من بنى سليم قال: عدهن رسول الله صلى الله عليه و سلم في يدي أو في يده: (التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض والصوم نصف الصبر والطهور نصف الإيمان)، ولذا جعله الله يقي من الشهوات كالجُنَّة وهو الدرع الذي يحمي في الحرب، فعند البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قَال: (يقول الله عز وجل الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنة). المادة الثالثة: المدى الزمني للصيام {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:184] فليس كبيراً. المادة الرابعة: الصيام لنفع العباد لا لتعذيبهم، ولذا يُعذر أصحاب الأعذار: وهم ثلاثة أصناف: الصنف الأول والثاني: المستطيعون للصيام لاحقاً فهؤلاء يفطرون ويقضونه، وهم صنفان: المرضى مرضاً مؤقتاً-والمسافرون {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184]. الصنف الثالث: من أطاقه بمشقةٍ عظيمةٍ: وهم كبار السن، والمرضى مرضاً لا يرجى برؤه، وأصحاب الأعمال الشاقة، فهؤلاء يفدون عن كل يوم طعام مسكين {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184]. المادة الخامسة: تطوع الصيام أو تطوع الإطعام خيرٌ للمتطوعين في الدنيا والآخرة {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184]. المادة السادسة: نظام الصيام ليس للتعذيب بل للتدريب والتهذيب، فهو نظامٌ لصالح العباد صحياً ونفسياً وإيمانياً {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:184]: وهذه خاتمة لبيان سبب عام لتشريع الصيام، وعند أحمد عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، فقلت: مرني بعمل يدخلني الجنة قال: (عليك بالصوم فإنه لا عِدْل له)، و(خير) في الآية ليس للتفضيل، بل للاستبداد، بمعنى أن الصوم يحمل كل خيرٍ لكم، وتركه، أو التلاعب به بعدم تأديته على ما أمر الله يذهب بهذه الخيرية. ثانياً: النظام التفصيلي للصيام: تكون من عشر مواد: المادة الأولى: وقت الصيام المفروض: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة:185]. المناسبة والاتصال: 1) بعد أن ذكر الله تعالى أن الصيام {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} أراد أن يبين موعده وهو شهر رمضان، والحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن. 2) قال ربنا عز وجل أولاً: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ} [البقرة:183] وهذا محتملٌ ليوم ويومين وأيام، ثم بينه بقوله تعالى: {أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ} فزال بعض الاحتمال، ثم بينه بقوله: {شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185] فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولاً وتعيينها بعد ذلك: أن ذلك الإبهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس. المادة الثانية: سبب تخصيص رمضان بالصيام: القرآن {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] فالصيام والقرآن هما الشفيعان القرينان، والقرآن نزل في شهر رمضان، فأمر الله بصيامه، فعن عبد الله بن عمرو –فيما رواه أحمد والطبراني-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة، فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، قال: فيشفعان له). ولشدة الحفاوة بالقرآن في شهر الصيام وصف الله القرآن هنا بثلاث صفات: الصفة الأولى: {هُدًى لِلنَّاسِ} رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ والسعادة في الحياة. الصفة الثانية: {وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى} واضحات من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه. الصفة الثالثة: {وَالْفُرْقَانِ} والفصل بين الحق والباطل. وسبب الاستطراد بذكر صفات القرآن قبل الأمر بصوم الشهر؛ أن الله تعالى ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه، ووصف القرآن بما وصفه به، حتى كأنه يحكي عنه لَذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم، ثم ثنى بالأمر بالصيام، فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قَدم العلةَ على المعلول. المادة الثالثة: صوم رمضان فرض لمن شهد الشهر: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة:185]. المادة الرابعة: يقضيه أصحاب الأعذار وفق ما سبق: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185]. وأعاد ذكرهم: 1) لأن ما سبق كان كلاماً عن الأسس العامة للصيام، وهنا كلام عن رمضان وأهميته. 2) قيل لما كان النسخ للتخيير بين الصيام والفداء خاصةً، أعاد الرخصة للمريض والمسافر، لئلا يُتوهم أن الرخصة أيضاً منسوخة، أو أنها لا تحمد فيه "ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه". المادة الخامسة: أهم أهداف الصيام سبعة: 1) الصيام يعد لمرتبة التقوى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، وقدمه عن بقية الأهداف؛ لأنه هدف الأهداف وغايتها. 2) الصيام يبرز اليسر في الحياة والدين: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185]، واليسر في الصيام ذاته كتشريع؛ لأنه يقوِّم النفس ويهذبها ويزكيها، ويبين لها سبيلاً لازماً في المجاهدة، كما يبين لها سبيلاً لصحة الجسم، وصفاء الروح، وهذا عند من يقوم برمضان حق القيام، واليسر أيضاً في التشريعات التفصيلية له كما في عذر أصحاب الأعذار. 3) اعتياد الانضباط بإكمال العدة: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} [البقرة:185]. 4) تعظيم أرحم الراحمين: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة:185]. 5) شكر الله الذي يسعد الدنيا بالدين:{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185]. 6) القرب المباشر من رب العالمين، ودعاؤه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة:186]. 7) الوصول إلى الرشد الفردي والجماعي {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة:186]، مما يترتب عليه صلاح الفرد والجماعة، وصواب القرارات الشخصية والعامة ضمن ميدان الابتلاء في هذه الحياة. إعجاز وبيان: لماذا وسَّط ذكر الأهداف وبثها بين مواد الصيام وأحكامه؟ 1) لتُذكر وتستحضر، فلا تطغى عليها الأحكام التي هي وسيلة إليها. 2) لئلا يهمل الناس الغاية مشتغلين بالوسيلة. من أسرار الترتيب القرآني لآيات الصيام في فهم القفال الشاشي رحمه الله: قال القفال رحمه اللّه: "انظروا إلى عجيب ما نبه اللّه عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، وأنه تعالى بين في أول الآية أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم المتقدمة، والغرض منه أن الأمور الشاقة إذا عمت خفت. ثم ثانياً: بين وجه الحكمة في إيجاب الصوم، وهو أنه سبب لحصول التقوى، فلو لم يفرض الصوم لفات هذا المقصود الشريف. ثم ثالثاً: بين أنه مختص بأيام معدودة، فإنه لو جعله أبداً، أو في أكثر الأوقات لحصلت المشقة العظيمة. ثم بين رابعاً: أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن؛ لكونه أشرف الشهور بسبب هذه الفضيلة. ثم بين خامساً: إزالة المشقة في إلزامه، فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى أن يصيروا إلى الرفاهية والسكون، فهو سبحانه راعى في إيجاب الصوم هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه كثيرا".

تابع القراءة>>

{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (14:الرحمن).

20:03 مساء السبت, 21 شعبان 1437 هـ الموافق 2016-05-28 20:03:38

صانعُ الفَخَّارِ يَلْقَى في صُنع الجَرَّةِ الصغيرة عناءً كبيراً، ثم يبيعها لشابٍ عابثٍ ويقول له: -ستكون مسروراً من بضاعتي، إنه عمل تمَّ في وجداني، وسيخدم أبناءك وأحفادك! يمضى الصانع وزملاؤه في طريقهم، فيشاهدون مجموعة من الشباب يحملون جِرَار الفَخَّار الجميلة، التي اشتروها منهم، ثم يضعونها على هاوية جبل، ويرشقونها بالحجارة، وكأنهم تراهنوا أيّهم يكسر عدداً أكبر منها! تكسَّرت الجِرَار وسقطت في الهاوية، والشباب يرقصون ويضحكون! يركض صانعو الفَخَّارِ إلى الشباب بغضبٍ وهم يصرخون: -ماذا تصنعون أيها الأشقياء؟ أنتم لا تُقدِّرون قيمة الكنز الذي في أيديكم! -ولماذا تغضبون؟ لقد بعتم بضاعتكم وأخذتم ثمنها، ونحن أحرار فيما نفعل فيها. -ولكن هذه الجِرَار عزيزة علينا، وقد كلَّفتنا جهداً لتصبح هكذا، ووضعنا في طينها كثيراً من جهدنا، وبعض أرواحنا حتى أصبحت شيئاً جميلاً مفيداً، وها أنتم يا قليلي الإيمان تحولونها إلى شظايا وتعبثون بها! قرأت هذه القصة الجميلة في رواية (بلادي) لـ"رسول حمزاتوف".. وبالمناسبة يوجد في "اليوتيوب" مقطع له في نهاية عمره؛ يعلن ندمه على أخطائه وزلاته بخشوع وانكسار.. رحمه الله. وجدت في القصة معنى رمزياً يشجب الاعتداء على الحياة الإنسانية من تجار الحروب وقتلة الشعوب؛ الذين يكسرون الفَخَّار بعدما نُفخت فيه الروح.. فينالون سخط الله ومقته ولعنته وعذابه.. فلا تقتلوا أنفسكم. {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (14:الرحمن). الصَلْصَال هو: الطين اليابس؛ الذي يُسمع له صوتٌ إذا ضُرب، وهو يشبه الفَخَّار الذي تُصنع منه الجِرَار. أواني الفَخَّار تتميز بحفظ الماء وتبريده وإحيائه، نعم إحيائه، فبواسطتها يتسلل الهواء لأعماق الماء، ويمنحه معنى جديداً ومذاقاً حيَّاً، للماء إذاً حياة! جسد الآدمي وعاء أو منجم صغير مكون من ٢٣ عنصراً هي موجودة في الأرض. عبّر النبي عن مرحلة ما قبل الروح حين سئل: متى كنت نبياً؟ فقال: كنت نبياً وآدم مُنْجَدِلٌ في طينته! (أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم فى الحلية، والبيهقى فى شعب الإيمان عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ). هذا التمثال الآدمي المُنجَدِل على الأرض تشكَّل من: -تراب -عجن بالماء فصار طيناً -ثم تُرِكَ ما شاء الله من الأزمنة حتى أصبح طيناً لازباً (اللَّازِب: الملتصق بعضه ببعض). -ثم تُرِكَ ما شاء الله حتى أصبح حمأً مسنوناً (الطين المنتن الأسود، والمسْنُون: قد يكون معناها المحدد الذي بدأت تظهر ملامحه وتتضح). ثم تُرِكَ ما شاء الله حتى صار صَلْصَالاً كَالْفَخَّار.. قد تكون أربع مراحل، أو خمس، أو ثلاث، محل بحث وتردد، وهي تشبه مراحل الجنين في بطن أمه، وكل مرحلة أربعون يوماً، كأيام الجنين أيضاً، ولكن لعلها من أيام الله، فيكون ثمَّ تفاعل كيميائي استغرق من السنين الطوال ما الله به أعلم حتى تتخمَّر هذه القبضة الطينية وتشكّل الحمض النووي ثم الخلايا الحيَّة. في صحيح مسلم عن أنس مرفوعاً: « لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِى الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ.. ». وعن ابن عباس، وابن مسعود وأناس من أصحاب رسول الله أنهم قالوا: تركه أربعين ليلة أو أربعين سنة.. أو في كل مرحلةٍ أربعين سنة.. وفي ذلك روايات متكاثرة؛ ذكرها الطبري، والسيوطي في "الدر المنثور"، وغيرهم. وحمل جمْع من المفسرين صدر سورة الإنسان على هذا المعنى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا} (1:الإنسان)، لم يكن شيئاً البتة كما قال: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا} (67:مريم).. ثم كان شيئاً غير مذكور. ثم ترقّى في المراحل والفضائل والكمالات. القرآن ليس كتاباً في العلوم الطبيعية حتى يرسم التفاصيل، ولكنه يحدد الأسس والجوامع لمقاصد إيمانية وتربوية وحضارية، ويرسم طريق البحث العلمي القاصد ومنهجه. ما أغفله القرآن فإغفاله رحمة، وما ذكره فذكره حكمة. والحقيقة لا تزعج أحداً وهي قرين الوحي، الذي يزعج ويضر هو المعرفة الناقصة المصابة بالغرور، أو الوهم والجهل الذي يظنه صاحبه علماً. القرآن يأمر بالسير في الأرض، والبحث عن أسرار الخليقة الأولى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} (20:العنكبوت). والنظر في الهياكل والجماجم البشرية المتقادمة مدرج للمعرفة والكشف، ولا زال العلم يحبو ولم يصل بعد إلى يقين، ولا قال كلمته الأخيرة في كثير من المسائل النظرية. وربما كانت ثقة بعض المسلمين المعجبين بالنظريات الأحيائية أعظم من ثقة علماء الغرب؛ الذين تقتضي تقاليدهم المعرفية الهدوء والتأنّي، وطرح الاحتمالات، وإبعاد الثقة الإيديولوجية، والتوظيف المصلحي عن العلوم ونتائجها، وهذا يجعل المرء أكثر استعداداً للبحث والمواصلة وتقبُّل الاحتمالات والفرضيات، وعدم التسرُّع في الجزم في حالتي النفي والإثبات {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} (85:الإسراء). أول ما نزل من الوحي على رسول الله كان يتعلق بالخَلْق، وبخَلْق الإنسان بالذات من عَلَقٍ، ويحثّ على القراءة والعلم، واستخدام الملكات التي وهب الله الإنسان في الكشف عما لا يعلم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (1-5: العلق). وأحدث الثورات التي يعيشها العالم اليوم هي: "الثورة الجينية"؛ الكاشفة عن خريطة مفاتيح التحكم في منظومة الجينات المعقدة، وتاريخها ومستقبلها وعلاجها. القرآن يربط المعرفة بـ(اسْمِ رَبِّكَ)، ليحمي الإنسان من آثام توظيف العلم توظيفاً منافياً للأخلاق؛ كالعبث بالهوية الإنسانية، والخلط بين الإنسان والحيوان، ومحاولة التدخُّل في جوهر الكينونة البشرية، والغفلة عن فطرة آدم؛ الذي كان طيناً ثم صار خَلْقاً آخر بعد نفخ الروح الملائكية فيه.

تابع القراءة>>

اقرأ .. أول ما نزل من القرآن الكريم

14:10 مساء الخميس, 19 شعبان 1437 هـ الموافق 2016-05-26 14:10:07

دخل عليه جبريل عليه السلام في غار حراء، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]"[1]. وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت: والحق أننا ينبغي أن نقف وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت، وخاصة مع الكلمة الأولى التي نزلت من هذه الآيات الخمس على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث جاءت الآيات تحثُّ على موضوع واحد؛ وهو موضوع العلم، وتختار وسيلة واحدة من وسائل التعلُّم وهي القراءة؛ لتُصبح هي البداية لهذا المنهج الرباني العظيم. إن القرآن الكريم يزيد عن 77 ألف كلمة، ومن بين كل هذا الكمِّ من الكلمات، كانت كلمة: "اقرأ". هي الأولى في النزول، كما أن في القرآن الكريم آلافًا من الأوامر مثل: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} [هود: 114]، ومثل: {آتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، ومثل: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 218]، ومثل: {وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17]، ومثل: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254]. وهكذا، ومن بين كل هذه الأوامر نزل الأمر الأول: "اقرأ". مع الأخذ في الاعتبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وقد تحلَّى بآلاف الفضائل والأخلاق الحميدة، وكان من الممكن أن يتحدَّث القرآن الكريم في أولى آياته عن أحد هذه الأخلاق العظيمة؛ لكن يبدو أن الإشارة واضحة من أن مفتاح بناء هذه الأُمَّة، وأول الطريق الصحيح هو "العلم"، وإحدى أهم وسائل التعلُّم كما أشار ربُّنا عز وجل هي القراءة، وبالتالي كرَّر الأمر بالقراءة في الآيات الخمس الأولى مرتين. وذكر كلمة العلم بمشتقاتها ثلاث مرات، وذكر القلم وهو وسيلة من وسائل الكتابة مرَّة، كل ذلك في خمس آيات؛ مما يدلُّ على أهمية العلم والقراءة في حياة أُمَّة الإسلام، ولَفْت النظر إليه كان ضرورةً؛ ليعلم المسلمون كيف يبدءون بناء أمتهم بعد ذلك، كما لفتت الآيات النظر إلى أن القراءة المطلوبة هي قراءة بسم الله عز وجل. ومعنى هذا أنها قراءة تُرضي الله ولا تغضبه، فهي ليست قراءة منحرفة، وليست قراءة تافهة أو ضالَّة أو مُضِلَّة؛ إنما هي قراءة كما أمر الله عز وجل باسمه تعالى، وعلى الطريقة التي علَّم بها الله عز وجل عباده المؤمنين. كذلك الآيات تتحدَّث عن صفة من صفات الله عز وجل لم يَدَّع أحد من المشركين أن هذه الصفة منسوبة لأحد الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وهي صفة الخلق؛ حيث قال الله عز وجل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]؛ وهذا لكي ينتفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي نوع من الالتباس في الذي رآه. فرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمن وهو يبحث عن خالق هذا الكون، وخالق الناس، وكيف يمكن أن يعبده، فيلفت الله عز وجل نظره إلى أن جبريل الذي جاءه بهذه الآيات يتحدَّث عن الإله الذي خلقه وخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء؛ ومن ثَمَّ يأخذ انتباه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل وعيه يُدرك أنه في موقف حقيقي، وليس في وهم أو خيال. ________________________________________ [1] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (160).

تابع القراءة>>

سورة الأنعام الأيات 104 لـ 111

14:25 مساء الخميس, 22 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-31 14:25:54

{وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104)} قوله تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا} الآية تقدم معناها والكلام عليها في البقرة فلا معنى لإعادتها. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ...

تابع القراءة>>

سورة الأنعام الأيات 97 لـ 103

14:35 مساء الثلاثاء, 20 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-29 14:35:30

{جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)} فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ} جعل هنا بمعنى خلق وقد تقدم. وقد سميت الكعبة كعبة لأنها مربعة وأكثر بيوت العرب مدورة وقيل: إنما سميت كعبة لنتوئها وبروزها، فكل ناتئ بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير. ومنه كعب القدم وكعوب القناة. وكعب ثدي المرأة إذا ظهر في صدرها. والبيت سمي بذلك ...

تابع القراءة>>

سورة الأنعام الأيات من 94 لـ 96

14:11 مساء الخميس, 15 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-24 14:11:42

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْ ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94)} فيه ثمان مسائل الأولى: قوله تعالى: {لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ} أي ليختبرنكم، والابتلاء الاختبار. وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعا عند الجميع منهم، مستعملا جدا، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام والحرم، كما ابتلى بني إسرائيل في ألا يعتدوا في السبت. وقيل: إنها نزلت عام الحديبية، أحرم بعض الناس مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يحرم بعضهم، فكان إذا....

تابع القراءة>>

سورة الأنعام الأيات من 82 لـ 93

14:33 مساء الأربعاء, 14 جمادى الآخرة 1437 هـ الموافق 2016-03-23 14:33:05

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82)} قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ} اللام لام قسم ودخلت النون على قول الخليل وسيبويه فرقا بين الحال والمستقبل. {عَداوَةً} نصب على البيان وكذا {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى} وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى: حسب ما هو مشهور في سيرة ابن إسحاق وغيره- خوفا من المشركين وفتنتهم، وكانوا ذوي عدد. ثم هاجر رسول الله.....

تابع القراءة>>
الذهاب الى

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut