03 ذو الحجة 1439 هـ الموافق ١٤ آب ٢٠١٨
  • القناة الفضائية
  • Get the Flash Player to see this player.
    بث الراديو
عيد الفطر 1438

سورة المائدة الأيات من 38 لـ 44

14:10 مساء الثلاثاء, 16 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-26 14:10:10

{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)} فيه سبع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} الآية. لما ذكر تعالى أخذ الأموال بطريق السعي في الأرض والفساد ذكر حكم السارق من غير حراب على ما يأتي بيانه أثناء الباب، وبدأ سبحانه بالسارق قبل السارقة عكس الزنى على ما نبينه آخر .....

تابع القراءة>>

سورة المائدة الأيات من 30 لـ 37

14:01 مساء الأربعاء, 10 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-20 14:01:49

{فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30)} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}. أي سولت وسهلت نفسه عليه الامر وشجعته وصورت له أن قتل أخيه طوع سهل له يقال: طاع الشيء يطوع أي سهل وانقاد. وطوعة فلان له أي سهله. قال الهروي: طوعت وأطاعت واحد، يقال: طاع له كذا إذا أتاه طوعا.....

تابع القراءة>>

سورة المائدة الأيات من 20 لـ 29

13:58 مساء الثلاثاء, 09 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-19 13:58:50

{وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما...

تابع القراءة>>

سورة المائدة الأيات من 7 لـ 19

14:25 مساء الأثنين, 08 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-18 14:25:07

{وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7)} قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ}. قيل: هو الميثاق الذي في قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 172]، قاله مجاهد وغيره. ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصادق به، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به.....

تابع القراءة>>

سورة المائدة الأيات من 1 لـ 6

14:30 مساء الثلاثاء, 02 ربيع الثاني 1437 هـ الموافق 2016-01-12 14:30:14

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1)} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} قال علقمة: كل ما في القرآن {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهو مدني و{يا أَيُّهَا النَّاسُ} [النساء: 1] فهو مكي، وهذا خرج على الأكثر، وقد تقدم. وهذه الآية مما تلوح....

تابع القراءة>>

سورة النساء الأيات من 174 لـ 176

15:05 مساء الأربعاء, 26 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 2016-01-06 15:05:30

{يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)} قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن الثوري، وسماه برهانا لان معه البرهان وهو المعجزة. وقال مجاهد: البرهان هاهنا الحجة، والمعنى متقارب، فإن المعجزات حجته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والنور المنزل هو القرآن، عن الحسن، وسماه نورا لان به تتبين الأحكام ويهتدي به من الضلالة، فهو نور مبين، أي واضح بين. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175)} قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ} أي بالقرآن عن معاصيه، وإذا اعتصموا بكتابه فقد اعتصموا به وبنبيه. وقيل: {اعْتَصَمُوا بِهِ} أي بالله. والعصمة الامتناع، وقد تقدم {وَيَهْدِيهِمْ} أي وهو يهديهم، فأضمر هو ليدل على أن الكلام مقطوع مما قبله. {إِلَيْهِ} أي إلى ثوابه. وقيل: إلى الحق ليعرفوه. {صِراطاً مُسْتَقِيماً} أي دينا مستقيما. و{صِراطاً} منصوب بإضمار فعل دل عليه {وَيَهْدِيهِمْ} التقدير، ويعرفهم صراطا مستقيما. وقيل: هو مفعول ثان على تقدير، ويهديهم إلى ثوابه صراطا مستقيما. وقيل: هو حال. والهاء في: {إِلَيْهِ} قيل: هي للقرآن، وقيل: للفضل، وقيل: للفضل والرحمة، لأنهما بمعنى الثواب. وقيل: هي لله عز وجل على حذف المضاف كما تقدم من أن المعنى ويهديهم إلى ثوابه. أبو علي: الهاء راجعة إلى ما تقدم من اسم الله عز وجل، والمعنى ويهديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا {صِراطاً مُسْتَقِيماً} نصبا على الحال كانت الحال من هذا المحذوف. وفي قوله: {وَفَضْلٍ} دليل على أنه تعالى يتفضل على عباده بثوابه، إذ لو كان في مقابلة العمل لما كان فضلا. والله أعلم. {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)} فيه خمس مسائل: الأولى: قال البراء بن عازب: هذه آخر آية نزلت من القرآن، كذا في كتاب مسلم. وقيل: نزلت والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ متجهز لحجة الوداع، ونزلت بسبب جابر، قال جابر ابن عبد الله: مرضت فأتاني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر يعوداني ماشيين، فأغمي علي، فتوضأ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم صب علي من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أقضي في مالي؟ فلم يرد علي شيئا حتى نزلت آية الميراث {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} رواه مسلم، وقال: آخر آية نزلت: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281] وقد تقدم. ومضى في أول السورة الكلام في: {الْكَلالَةِ} مستوفى، وأن المراد بالاخوة هنا الاخوة للأب والام أو للأب وكان لجابر تسع أخوات. الثانية: قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} أي ليس له ولد ولا والد، فأكتفي بذكر أحدهما، قال الجرجاني: لفظ الولد ينطلق على الوالد والمولود، فالوالد يسمى، والدا لأنه ولد، والمولود يسمى ولدا لأنه ولد، كالذرية فإنها من ذرا ثم تطلق على المولود وعلى الوالد، قال الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41]. الثالثة: والجمهور من العلماء من الصحابة والتابعين يجعلون الأخوات عصبة البنات وإن لم يكن معهن أخ، غير ابن عباس، فإنه كان لا يجعل الأخوات عصبة البنات، وإليه ذهب داود وطائفة، وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ} ولم يورث الأخت إلا إذا لم يكن للميت ولد، قالوا: ومعلوم أن الابنة من الولد، فوجب ألا ترث الأخت مع وجودها. وكان ابن الزبير يقول بقول ابن عباس في هذه المسألة حتى أخبره الأسود بن يزيد: أن معاذا قضى في بنت وأخت فجعل المال بينهما نصفين. الرابعة: هذه الآية تسمى بآية الصيف، لأنها نزلت في زمن الصيف، قال عمر: إني والله لا أدع شيئا أهم إلي من أمر الكلالة، وقد سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن بإصبعه في جنبي أو في صدري ثم قال: «يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء». وعنه رضي الله عنه قال: ثلاث لان يكون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهن أحب إلي من الدنيا وما فيها: الكلالة والربا والخلافة، خرجه ابن ماجه في سننه. الخامسة: طعن بعض الرافضة بقول عمر: «والله لا أدع» الحديث. السادسة: قوله تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} قال الكسائي: المعنى يبين الله لكم لئلا تضلوا. قال أبو عبيد، فحدثت الكسائي بحديث رواه ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا يدعون أحدكم على ولده أن يوافق من الله إجابة» فاستحسنه. قال النحاس: والمعنى عند أبي عبيد لئلا يوافق من الله إجابة، وهذا القول عند البصريين خطأ صراح، لأنهم لا يجيزون إضمار لا، والمعنى عندهم: يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، ثم حذف، كما قال: {وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وكذا معنى حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أي كراهية أن يوافق من الله إجابة. {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تقدم في غير موضع. والله أعلم تمت سورة النساء والحمد لله الذي وفق.

تابع القراءة>>

سورة النساء الأيات من 163 لـ 173

14:27 مساء الثلاثاء, 25 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 2016-01-05 14:27:20

{إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163)} قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ} هذا متصل بقوله: {يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ} [النساء: 153]، فأعلم تعالى أن أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأمر من تقدمه من الأنبياء. وقال ابن عباس فيما ذكره ابن إسحاق: نزلت في قوم من اليهود- منهم سكين وعدي بن زيد- قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما أوحى الله إلى أحد...

تابع القراءة>>

سورة النساء الأيات من 150 لـ 162

14:40 مساء الأثنين, 24 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 2016-01-04 14:40:52

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151)} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ} لما ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، إذ كفروا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبين أن الكفر به كفر بالكل، لأنه ما من نبي إلا وقد أمر...

تابع القراءة>>

سورة النساء الأيات من 139 لـ 149

14:21 مساء الخميس, 20 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 2015-12-31 14:21:06

{الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139)} قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} {الَّذِينَ} نعت للمنافقين. وفي هذا دليل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق، لأنه لا يتولى الكفار. وتضمنت المنع من موالاة الكافر، وأن يتخذوا أعوانا على الأعمال المتعلقة بالدين. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين لحق بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقاتل معه، فقال له: «ارجع فإنا لا نستعين بمشرك». {الْعِزَّةَ} أي الغلبة، عزه يعزه عزا إذا غلبه. {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي الغلبة والقوة لله. قال ابن عباس: {يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ} يريد عند بني قينقاع، فإن ابن أبي كان يواليهم. {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)} قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها} الخطاب لجميع من أظهر الايمان من محق ومنافق، لأنه إذا أظهر الايمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله. فالمنزل قوله تعالى: {وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}. وكان المنافقين يجلسون إلى أحبار اليهود فيسخرون من القرآن. وقرأ عاصم ويعقوب {وَقَدْ نَزَّلَ} بفتح النون والزاي وشدها، لتقدم اسم الله جل جلاله في قوله تعالى: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}. وقرأ حميد كذلك، إلا أنه خفف الزاي. الباقون {نزل} غير مسمى الفاعل. {أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ} موضع {أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ} على قراءة عاصم ويعقوب نصب بوقوع الفعل عليه. وفي قراءة الباقين رفع، لكونه اسم ما لم يسم فاعله. {يُكْفَرُ بِها} أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء، كما تقول: سمعت عبد الله يلام، أي سمعت اللوم في عبد الله. قوله تعالى: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} أي غير الكفر. {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر، قال الله عز وجل: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ}. فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه أخذ قوما يشربون الخمر، فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم، فحمل عليه الأدب وقرأ هذه الآية: {إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ} أي إن الرضا بالمعصية معصية، ولهذا يؤاخذ الفاعل والراضي بعقوبة المعاصي حتى يهلكوا بأجمعهم. وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، كما قال: فكل قرين بالمقارن يقتدي *** وقد تقدم. وإذا ثبت تجنب أصحاب المعاصي كما بينا فتجنب أهل البدع والاهواء أولى. وقال الكلبي: قوله تعالى: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} نسخ بقوله تعالى: {وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}. وقال عامة المفسرين: هي محكمة. وروى جويبر عن الضحاك قال: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين مبتدع إلى يوم القيامة. قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ} الأصل جامع بالتنوين فحذف استخفافا، فإنه بمعنى يجمع. {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ} يعني المنافقين، أي ينتظرون بكم الدوائر. {فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ} أي غلبة على اليهود وغنيمة. {قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} أي أعطونا من الغنيمة. {وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ} أي ظفر. {قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} أي ألم نغلب عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم. يقال: استحوذ على كذا أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ}. وقيل: أصل الاستحواذ الحوط، حاذه يحوذه حوذا إذا حاطه. وهذا الفعل جاء على الأصل، ولو أعل لكان ألم نستحذ، والفعل على الأعلال استحاذ يستحيذ، وعلى غير الأعلال استحوذ يستحوذ. {وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي بتخذيلنا إياهم عنكم، وتفريقنا إياهم مما يريدونه منكم. والآية تدل على أن المنافقين كانوا يخرجون في الغزوات مع المسلمين ولهذا قالوا: ألم نكن معكم؟ وتدل على أنهم كانوا لا يعطونهم الغنيمة ولهذا طلبوها وقالوا: ألم نكن معكم! ويحتمل أن يريدوا بقولهم {أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} الامتنان على المسلمين. أي كنا نعلمكم بأخبارهم وكنا أنصارا لكم. قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} للعلماء فيه تأويلات خمس: أحدها- ما روي عن يسيع الحضرمي قال: كنت عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له رجل يا أمير المؤمنين، أرأيت قول الله: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} كيف ذلك، وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحيانا! فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك يوم القيامة يوم الحكم. وكذا قال ابن عباس: ذاك يوم القيامة. قال ابن عطية: وبهذا قال جميع أهل التأويل. قال ابن العربي: وهذا ضعيف: لعدم فائدة الخبر فيه، وإن أو هم صدر الكلام معناه، لقوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الامر في الدنيا دولا تغلب الكفار تارة وتغلب أخرى، بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة. ثم قال: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} فتوهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته، إذ يكون تكرارا. الثاني- إن الله لا يجعل لهم سبيلا يمحو به دولة المؤمنين، ويذهب ءاثارهم ويستبيح بيضتهم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وإني سألت ربي ألا يهلكها بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني قد أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة وألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا». الثالث- أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر ويتقاعدوا عن التوبة فيكون تسليط العدو من قبلهم، كما قال تعالى: {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}. قال ابن العربي: وهذا نفيس جدا. قلت: ويدل عليه قوله عليه السلام في حديث ثوبان: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» وذلك أن حتى غاية، فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض، وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين، فغلظت شوكة الكافرين واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله، فنسأل الله أن يتداركنا بعفوه ونصره ولطفه. الرابع- إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا، فإن وجد فبخلاف الشرع. الخامس- {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} أي حجة عقلية ولا شرعية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت. الثانية: ابن العربي: ونزع علماؤنا بهذه الآية في الاحتجاج على أن الكافر لا يملك العبد المسلم. وبه قال أشهب والشافعي: لان الله سبحانه نفى السبيل للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل، فلا يشرع له ولا ينعقد العقد بذلك. وقال ابن القاسم عن مالك، وهو قول أبي حنيفة: إن معنى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} في دوام الملك، لأنا نجد الابتداء يكون له عليه وذلك بالإرث. وصورته أن يسلم عبد كافر في يد كافر فيلزم القضاء عليه ببيعه، فقبل الحكم عليه ببيعه مات، فيرث العبد المسلم وارث الكافر. فهده سبيل قد ثبت قهرا لا قصد فيه، وإن ملك الشراء ثبت بقصد النية، فقد أراد الكافر تملكه باختياره، فإن حكم بعقد بيعه وثبوت ملكه فقد حقق فيه قصده، وجعل له سبيل عليه. قال أبو عمر: وقد أجمع المسلمون على أن عتق النصراني أو اليهودي لعبده المسلم صحيح نافذ عليه. وأجمعوا أنه إذا أسلم عبد الكافر فبيع عليه أن ثمنه يدفع إليه. فدل على أنه على ملكه بيع وعلى ملكه ثبت العتق له، إلا أنه ملك غير مستقر لوجوب بيعه عليه، وذلك والله أعلم لقول الله عز وجل: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} يريد الاسترقاق والملك والعبودية ملكا مستقرا دائما. واختلف العلماء في شراء العبد الكافر العبد المسلم على قولين: أحدهما- البيع مفسوخ. والثاني- البيع صحيح ويباع على المشتري. الثالثة: واختلف العلماء أيضا من هذا الباب في رجل نصراني دبر عبدا له نصرانيا فأسلم العبد، فقال مالك والشافعي في أحد قوليه: يحال بينه وبين العبد، ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يتبين أمره. فإن هلك النصراني وعليه دين قضي دينه من ثمن العبد المدبر، إلا أن يكون في ماله ما يحمل المدبر فيعتق المدبر. وقال الشافعي في القول الآخر: إنه يباع عليه ساعة أسلم، واختاره المزني، لأن المدبر وصية ولا يجوز ترك مسلم في ملك مشرك يذله ويخارجه، وقد صار بالإسلام عدوا له. وقال الليث بن سعد: يباع النصراني من مسلم فيعتقه، ويكون ولاؤه للذي اشتراه وأعتقه، ويدفع إلى النصراني ثمنه. وقال سفيان والكوفيون: إذا أسلم مدبر النصراني قوم قيمته فيسعى في قيمته، فإن مات النصراني قبل أن يفرغ المدبر من سعايته عتق العبد وبطلت السعاية. {إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)} قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ} قد مضى في البقرة معنى الخدع. والخداع من الله مجازاتهم على خداعهم أولياءه ورسله. قال الحسن: يعطى كل إنسان من مؤمن ومنافق نور يوم القيامة فيفرج المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاءوا إلى الصراط طفئ نور كل منافق، فذلك قولهم: {انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}. قوله تعالى: {وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى} أي يصلون مراءاة وهم متكاسلون متثاقلون، لا يرجون ثوابا ولا يعتقدون على تركها عقابا. وفي صحيح الحديث: «إن أثقل صلاة على المنافقين العتمة والصبح». فإن العتمة تأتي وقد أتعبهم عمل النهار فيثقل عليهم القيام إليها، وصلاة الصبح تأتي والنوم أحب إليهم من مفروح به، ولولا السيف ما قاموا. والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله، وقد تقدم بيانه. ثم وصفهم بقلة الذكر عند المراءاة وعند الخوف. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذاما لمن أخر الصلاة: «تلك صلاة المنافقين- ثلاثا- يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان- أوعلى قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» رواه مالك وغيره. فقيل: وصفهم بقلة الذكر لأنهم كانوا لا يذكرون الله بقراءة ولا تسبيح، وإنما كانوا يذكرونه بالتكبير. وقيل: وصفه بالقلة لان الله تعالى لا يقبله. وقيل: لعدم الإخلاص فيه. وهنا مسألتان: الأولى: بين الله تعالى في هذه الآية صلاة المنافقين، وبينها رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن صلى كصلاتهم وذكر كذكرهم لحق بهم في عدم القبول، وخرج من مقتضى قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ}. وسيأتي. اللهم إلا أن يكون له عذر فيقتصر على الفرض حسب ما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأعرابي حين رآه أخل بالصلاة فقال له: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم أركع حتى تطمئن راكعا ثم أرفع حتى تعتدل قائما ثم أسجد حتى تطمئن ساجدا ثم أرفع حتى تطمئن جالسا ثم أفعل ذلك في صلاتك كلها». رواه الأئمة. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن». وقال: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه. الركوع والسجود». أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن بعدهم، يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود. قال الشافعي وأحمد وإسحاق: من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود فصلاته فاسدة، لحديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود». قال ابن العربي: وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست بفرض. وهي رواية عراقية لا ينبغي لاحد من المالكيين أن يشتغل بها. وقد مضى في البقرة هذا المعنى. الثانية: قال ابن العربي: إن من صلى صلاة ليراها الناس ويرونه فيها فيشهدون له بالايمان، أو أراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز الامامة فليس ذلك بالرياء المنهي عنه، ولم يكن عليه حرج، وإنما الرياء المعصية أن يظهرها صيدا للناس وطريقا إلى الأكل، فهذه نية لا تجزئ وعليه الإعادة. قلت: قوله وأراد طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة فيه نظر. وقد تقدم بيانه في النساء فتأمله هناك. ودلت هذه الآية على أن الرياء يدخل الفرض والنفل، لقول الله تعالى: {وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا} فعم. وقال قوم: إنما يدخل النفل خاصة، لأن الفرض واجب على جميع الناس والنفل عرضة لذلك. وقيل بالعكس، لأنه لو لم يأت بالنوافل لم يؤاخذ بها. {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)} المذبذب: المتردد بين أمرين، والذبذبة الاضطراب. يقال: ذبذبته فتذبذب، ومنه قول النابغة: ألم تر أن الله أعطاك سورة *** ترى كل ملك دونها يتذبذب آخر: خيال لام السلسبيل ودونها *** مسيرة شهر للبريد المذبذب كذا روي بكسر الذال الثانية. قال ابن جني: أي المهتز القلق الذي لا يثبت ولا يتمهل. فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الايمان ولا مصرحين بالكفر. وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى» وفي رواية: «تكر» بدل: «تعير». وقرأ الجمهور {مُذَبْذَبِينَ} بضم الميم وفتح الذالين. وقرأ ابن عباس بكسر الذال الثانية. وفي حرف أبي {متذبذبين}. ويجوز الإدغام على هذه القراءة {مذبذبين} بتشديد الذال الأولى وكسر الثانية. وعن الحسن {مذبذبين} بفتح الميم والذالين. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144)} قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ} مفعولان، أي لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم، وقد تقدم هذا المعنى. {أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً} أي في تعذيبه إياكم بإقامته حجته عليكم إذ قد نهاكم. {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145)} قوله تعالى: {فِي الدَّرْكِ} قرأ الكوفيون {الدرك} بإسكان الراء، والأولى أفصح، لأنه يقال في الجمع: أدراك مثل جمل وأجمال، قاله النحاس. وقال أبو علي: هما لغتان كالشمع والشمع ونحوه، والجمع أدراك. وقيل: جمع الدرك أدرك، كفلس وأفلس. والنار دركات سبعة، أي طبقات ومنازل، إلا أن استعمال العرب لكل ما تسافل أدراك. يقال: للبئر أدراك، ولما تعالى درج، فللجنة درج، وللنار أدراك. وقد تقدم هذا. فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية، لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكنه من أذى المؤمنين. وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة الأولى، أعاذنا الله من عذابها بمنه وكرمه. وعن ابن مسعود في تأويل قوله تعالى: {فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} قال: توابيت من حديد مقفلة في النار تقفل عليهم. وقال ابن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون، تصديق ذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}. وقال تعالى أصحاب المائدة: {فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ}. وقال في آل فرعون: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ}. {إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)} استثناء ممن نافق. ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا، ويخلص دينه لله، كما نصت عليه هذه الآية، وإلا فليس بتائب، ولهذا أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم. والله أعلم. روى البخاري عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد نزل النفاق على قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله! إن الله تعالى يقول: {إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}. فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته. فقال حذيفة: عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت: لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم. وقال الفراء: معنى: {فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} أي من المؤمنين. وقال القتبي: حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال: {فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} ولم يقل: هم المؤمنون. وحذفت الياء من {يؤت} في الخط كما حذفت في اللفظ، لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله {يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ} و{سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ} و{يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ} حذفت الواوات لالتقاء الساكنين. {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147)} استفهام بمعنى التقرير للمنافقين. التقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم، فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. وقال مكحول: أربع من كن فيه كن له، وثلاث من كن فيه كن عليه، فالأربع اللاتي له: فالشكر والايمان والدعاء والاستغفار، قال الله تعالى: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} وقال الله تعالى: {وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} وقال تعالى: {قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ}. وأما الثلاث اللاتي عليه: فالمكر والبغي والنكث، قال الله تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ}. وقال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} وقال تعالى: {إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} {وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً} أي يشكر عباده على طاعته. ومعنى يشكرهم يثيبهم، فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل، وذلك شكر منه على عبادته. والشكر في اللغة الظهور، يقال: دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى. والعرب تقول في المثل: (أشكر من بروقه) لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر. والله أعلم. {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149)} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ} وتم الكلام. ثم قال جل وعز {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} استثناء ليس من الأول في موضع نصب، أي لكن من ظلم فله أن يقول ظلمني فلان. ويجوز أن يكون في موضع رفع ويكون التقدير: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا من ظلم. وقراءة الجمهور {ظُلِمَ} بضم الظاء وكسر اللام، ويجوز إسكانها. ومن قرأ {ظلم} بفتح الظاء وفتح اللام وهو زيد بن أسلم وابن أبي إسحاق وغيرهما على ما يأتي، فلا يجوز له أن يسكن اللام لخفة الفتحة. فعلى القراءة الأولى قالت طائفة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلا من ظلم فلا يكره له الجهر به. ثم اختلفوا في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج حقي، اللهم حل بينه وبين ما يريد من ظلمي. فهذا دعاء في المدافعة وهي أقل منازل السوء. وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو خير له، فهذا إطلاق في نوع الدعاء على الظالم. وقال أيضا هو والسدي: لا بأس لمن ظلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه ويجهر له بالسوء من القول. وقال ابن المستنير: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} معناه، إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفر أو نحوه فذلك مباح. والآية على هذا في الإكراه، وكذا قال قطرب. {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يريد المكره، لأنه مظلوم فذلك موضوع عنه وإن كفر، قال: ويجوز أن يكون المعنى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} على البدل، كأنه قال: لا يحب الله إلا من ظلم، أي لا يحب الله الظالم، فكأنه يقول: يحب من ظلم أي يأجر من ظلم. والتقدير على هذا القول: لا يحب الله ذا الجهر بالسوء إلا من ظلم، على البدل. وقال مجاهد: نزلت في الضيافة فرخص له أن يقول فيه. قال ابن جريج عن مجاهد: نزلت في رجل ضاف رجلا بفلاة من الأرض فلم يضيفه فنزلت {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} ورواه ابن أبي نجيح أيضا عن مجاهد، قال: نزلت هذه الآية {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته. وقد استدل من أوجب الضيافة بهذه الآية، قالوا: لان الظلم ممنوع منه فدل على وجوبها، وهو قول الليث بن سعد. والجمهور على أنها من مكارم الأخلاق وسيأتي بيانها في هود والذي يقتضيه ظاهر الآية أن للمظلوم أن ينتصر من ظالمه- ولكن مع اقتصاد- إن كان مؤمنا كما قال الحسن، فأما أن يقابل القذف بالقذف ونحوه فلا، وقد تقدم في البقرة. وإن كان كافرا فأرسل لسانك وادع بما شئت من الهلكة وبكل دعاء، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» وقال: «اللهم عليك بفلان وفلان» سماهم. وإن كان مجاهرا بالظلم دعي عليه جهرا، ولم يكن له عرض محترم ولا بدن محترم ولا مال محترم. وقد روي أبو داود عن عائشة قال: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تسبخي عنه» أي لا تخففي عنه العقوبة بدعائك عليه. وروي أيضا عن عمرو بن الشريد عن أبيه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته». قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. وفي صحيح مسلم: «مطل الغني ظلم». فالموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ومطل ظلم، وذلك يبيح من عرضه أن يقال فيه: فلان يمطل الناس ويحبس حقوقهم ويبيح للإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك، حكي معناه عن سفيان، وهو معنى قول ابن المبارك رضي الله عنهما. الثانية: وليس من هذا الباب ما وقع في صحيح مسلم من قول العباس في علي رضي الله عنهما بحضرة عمر وعثمان والزبير وعبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. الحديث. ولم يرد عليه واحد منهم، لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما يعتقدها لنفسه، حتى أنفذ فيها عليهم عمر الواجب، قاله ابن العربي. وقال علماؤنا: هذا إنما يكون فيما إذا استوت المنازل أو تقاربت، وأما إذا تفاوتت، فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب، وهذا صحيح وعليه تدل الآثار. ووجه آخر- وهو أن هذا القول أخرجه من العباس الغضب وصوله سلطه العمومة! فإن العم صنو الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاظ على ولده إنما يحمل ذلك منه على أنه قصد الإغلاظ والردع مبالغة في تأديبه، لا أنه موصوف بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا أنهم في محاجة ولاية دينية، فكان العباس يعتقد أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن مخالفته فيها تؤدي إلى أن يتصف المخالف بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولما علم الحاضرون ذلك لم ينكروا عليه، أشار إلى هذا المازري والقاضي عياض وغيرهما. الثالثة: فأما من قرأ {ظلم} بالفتح في الظاء واللام- وهي قراءة زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن بالمدينة بعد محمد بن كعب القرظي، وقراءة ابن أبي إسحاق والضحاك وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب- فالمعنى: إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول، في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له والرد عليه، المعنى لا يحب الله أن يقال لمن تاب من النفاق: الست نافقت؟ إلا من ظلم، أي أقام على النفاق، ودل على هذا قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تابُوا}. قال ابن زيد: وذلك أنه سبحانه لما أخبر عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار كان ذلك جهرا بسوء من القول، ثم قال لهم بعد ذلك: {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ} [النساء: 147] على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والايمان. ثم قال للمؤمنين: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: الست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل من النار؟ ونحو هذا من القول. وقال قوم: معنى الكلام: لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، ثم استثنى استثناء منقطعا، أي لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلما وعدوانا وهو ظالم في ذلك. قلت: وهذا شأن كثير من الظلمة ودأبهم، فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم وينالون من عرض مظلومهم ما حرم عليهم. وقال أبو إسحاق الزجاج: يجوز أن يكون المعنى: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} فقال سوءا، فإنه ينبغي أن تأخذوا على يديه، ويكون الاستثناء ليس من الأول. قلت: ويدل على هذا أحاديث منها قوله عليه السلام: «خذوا على أيدي سفهائكم». وقوله: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تكفه عن الظلم». وقال الفراء: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} يعني ولا من ظلم. قوله تعالى: {وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً} تحذير للظالم حتى لا يظلم، وللمظلوم حتى لا يتعدى الحد في الانتصار. ثم أتبع هذا بقوله: {إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ} فندب إلى العفو ورغب فيه. والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام، وقد تقدم في آل عمران فضل العافين عن الناس. ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها. وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روي ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جئت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: {فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].

تابع القراءة>>

سورة النساء الأيات من 128 لـ 138

15:50 مساء الثلاثاء, 18 ربيع الأول 1437 هـ الموافق 2015-12-29 15:50:44

{وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128)} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ} رفع بإضمار فعل يفسره ما بعده. و{خافَتْ} بمعنى توقعت. وقول من قال: {خافت} تيقنت خطأ. قال الزجاج: المعنى وإن امرأة. خافت من بعلها دوام النشوز. قال النحاس: الفرق بين النشوز والاعراض أن النشوز التباعد، والاعراض ألا يكلمها ولا يأنس بها. ونزلت الآية بسبب سودة بنت زمعة. روى الترمذي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: لا تطلقني وأمسكني، وأجعل يومي منك لعائشة، ففعل فنزلت: {فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، قال: هذا حديث حسن غريب. وروى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبرا وإما غيره، فأراد أن يطلقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما شئت، فجرت السنة بذلك ونزلت: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً}. وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها {وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً} قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية. وقراءة العامة {أن يصالحا}. وقرا أكثر الكوفيين {أَنْ يُصْلِحا}. وقرأ الجحدري وعثمان البتي {أن يصلحا} والمعنى يصطلحا ثم أدغم. الثانية: في هذه الآية من الفقه الرد على الرعن الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها. قال ابن أبي مليكة: إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يطلقها، فآثرت الكون معه، فقالت له: أمسكني وأجعل يومي لعائشة، ففعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وماتت وهي من أزواجه. قلت: وكذلك فعلت بنت محمد بن مسلمة، روى مالك عن ابن شهاب عن رافع بن خديج أنه تزوج بنت محمد بن مسلمة الأنصارية، فكانت عنده حتى كبرت، فتزوج عليها فتاة شابة، فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق، فطلقها واحدة، ثم أهملها حتى إذا كانت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فطلقها واحدة، ثم راجعها فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق فقال: ما شئت إنما بقيت واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت فارقتك. قالت: بل أستقر على الأثرة. فأمسكها على ذلك، ولم ير رافع عليه إثما حين قرت عنده على الأثرة. رواه معمر عن الزهري بلفظه ومعناه وزاد: فذلك الصلح الذي بلغنا أنه نزل فيه {وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. قال أبو عمر بن عبد البر: قوله والله أعلم: فآثر الشابة عليها يريد في الميل بنفسه إليها والنشاط لها، لا أنه آثرها عليها في مطعم وملبس ومبيت، لأن هذا لا ينبغي أن يظن بمثل رافع، والله أعلم. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد ابن عرعرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئا حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج. وقال الضحاك: لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه. وقال مقاتل بن حيان: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة، فيقول لهذه الكبيرة: أعطيك من مالي على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار، فترضى الأخرى بما اصطلحا عليه، وإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما في القسم. الثالثة: قال علماؤنا: وفي هذا أن أنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة، بأن يعطي الزوج على أن تصبر هي، أو تعطي هي على أن يؤثر الزوج، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة، أو يقع الصلح على الصبر والأثرة من غير عطاء، فهذا كله مباح. وقد يجوز أن تصالح إحداهن صاحبتها عن يومها بشيء تعطيها، كما فعل أزواج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان غضب على صفية، فقالت لعائشة: أصلحي بيني وبين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد وهبت يومي لك. ذكره ابن خويز منداد في أحكامه عن عائشة قالت: وجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على صفية في شي، فقالت لي صفية: هل لك أن ترضين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عني ولك يومي؟ قالت: فلبست خمارا كان عندي مصبوغا بزعفران ونضحته، ثم جئت فجلست إلى جنب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إليك عني فإنه ليس بيومك». فقلت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وأخبرته الخبر، فرضي عنها. وفيه أن ترك التسوية بين النساء وتفضيل بعضهن على بعض لا يجوز إلا بإذن المفضولة ورضاها. الرابعة: قرأ الكوفيون {يُصْلِحا}. والباقون {أن يصالحا}. الجحدري {يصلحا} فمن قرأ {يصالحا} فوجهه أن المعروف في كلام العرب إذا كان بين قوم تشاجر أن يقال: تصالح القوم، ولا يقال: أصلح القوم؟ ولو كان أصلح لكان مصدره إصلاحا. ومن قرأ {يُصْلِحا} فقد استعمل مثله في التشاجر والتنازع، كما قال: {فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ}. ونصب قوله: {يُصْلِحا} على هذه القراءة على أنه مفعول، وهو اسم مثل العطاء من أعطيت. فأصلحت صلحا مثل أصلحت أمرا، وكذلك هو مفعول أيضا على قراءة من قرأ {يصالحا} لان تفاعل قد جاء متعديا، ويحتمل أن يكون مصدرا حذفت زوائده. ومن قرأ {يصلحا} فالأصل يصتلحا ثم صار إلى يصطلحا، ثم أبدلت الطاء صادا وأدغمت فيها الصاد،، ولم تبدل الصاد طاء لما فيها من امتداد الزفير. الخامسة: قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق. ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطئ أو غير ذلك. {خَيْرٌ} أي خير من الفرقة، فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، وقال عليه السلام في البغضة: «إنها الحالقة» يعني حالقة الدين لا حالقة الشعر. السادسة: قوله تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} إخبار بأن الشح في كل أحد. وأن الإنسان لا بد أن يشح بحكم خلقته وجبلته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره، يقال: شح يشح بكسر الشين قال ابن جبير: هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها. وقال ابن زيد: الشح هنا منه ومنها. وقال ابن عطية: وهذا أحسن، فإن الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الزوج الشح بنصيبه من الشابة. والشح الضبط على المعتقدات والإرادة وفي الهمم والأموال ونحو ذلك، فما أفرط منه على الدين فهو محمود، وما أفرط منه في غيره ففيه بعض المذمة، وهو الذي قال الله فيه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل وهي رذيلة. وإذا آل البخل إلى هذه الأخلاق المذمومة والشيم اللئيمة لم يبق معه خير مرجو ولا صلاح مأمول. قلت: وقد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للأنصار: «من سيدكم؟» قالوا: الجد بن قيس على بخل فيه. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وأي داء أدوى من البخل»! قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إن قوما نزلوا بساحل البحر فكرهوا لبخلهم نزول الأضياف بهم فقالوا ليبعد الرجال منا عن النساء حتى يعتذر الرجال إلى الأضياف ببعد النساء وتعتذر النساء ببعد الرجال، ففعلوا وطال ذلك بهم، فاشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء». وقد تقدم، ذكره الماوردي. السابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا} شرط {فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً} جوابه. وهذا خطاب للأزواج من حيث إن للزوج أن يشح ولا يحسن، أي إن تحسنوا وتتقوا في عشرة النساء بإقامتكم عليهن مع كراهيتكم لصحبتهن واتقاء ظلمهن فهو أفضل لكم. {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129)} قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب. فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض، ولهذا كان عليه السلام يقول: «اللهم إن هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». ثم نهى فقال: {فلا تميلوا كل الميل}. قال مجاهد: لا تتعمدوا الإساءة بل الزموا التسوية في القسم والنفقة، لأن هذا مما يستطاع. وسيأتي بيان هذا في الأحزاب مبسوطا إن شاء الله تعالى. وروى قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كانت له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». قوله تعالى: {فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ} أي لا هي مطلقة ولا ذات زوج، قاله الحسن. وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شي، لأنه لا على الأرض استقر ولا على ما علق عليه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل: (ارض من المركب بالتعليق). وفي عرف النحويين فمن تعليق الفعل. ومنه في حديث أم زرع في قول المرأة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق. وقال قتادة: كالمسجونة، وكذا قرأ أبي {فتذروها كالمسجونة}. وقرأ ابن مسعود {فتذروها كأنها معلقة}. وموضع {فَتَذَرُوها} نصب، لأنه جواب النهي. والكاف في: {كَالْمُعَلَّقَةِ} في موضع نصب أيضا. {وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132)} قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} أي وإن لم يصطلحا بل تفرقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيض للرجل امرأة تقر بها عينه، وللمرأة من يوسع عليها. وروي عن جعفر بن محمد أن رجلا شكا إليه الفقر، فأمره بالنكاح، فذهب الرجل وتزوج، ثم جاء إليه وشكا إليه الفقر، فأمره بالطلاق، فسئل عن هذه الآية فقال: أمرته بالنكاح لعله من أهل هذه الآية: {إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فلما لم يكن من أهل تلك الآية أمرته بالطلاق فقلت: فلعله من أهل هذه الآية {وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ}. قوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي الامر بالتقوى كان عاما لجميع الأمم: وقد مضى القول في التقوى. {وَإِيَّاكُمْ} عطف على {الَّذِينَ}. {أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} في موضع نصب، قال الأخفش: أي بأن اتقوا الله. وقال بعض العارفين: هذه الآية هي رحى آي القرآن، لأن جميعه يدور عليها. قوله تعالى: {وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا} إن قال قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان: أحدهما- أنه كرر تأكيدا، ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين. الجواب الثاني- أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأول أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفد خزائنه. ثم قال: أوصيناكم وأهل الكتاب بالتقوى {وَإِنْ تَكْفُرُوا} أي وإن تكفروا فإنه غني عنكم، لأن له ما في السموات وما في الأرض. ثم أعلم في الثالث بحفظ خلقه وتدبيره إياهم بقوله: {وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا} لان له ما في السموات وما في الأرض. وقال: {ما فِي السَّماواتِ} ولم يقل من في السموات، لأنه ذهب به مذهب الجنس، وفي السموات والأرض من يعقل ومن لا يعقل. {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133)} قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} يعني بالموت {أَيُّهَا النَّاسُ}. يريد المشركين والمنافقين. {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} يعني بغيركم. ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ظهر سلمان وقال: {هم قوم هذا}. وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم. وهذا كما قال في آية أخرى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ}. وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورئاسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالما فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يذهبه ويأتي بغيره. {وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً} والقدرة صفة أزلية، لا تتناهى مقدوراته، كما لا تتناهى معلوماته، والماضي والمستقبل في صفاته بمعنى واحد، وإنما خص الماضي بالذكر لئلا يتوهم أنه يحدث في ذاته وصفاته. والقدرة هي التي يكون بها الفعل ولا يجوز وجود العجز معها. {مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)} أي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلبا للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب، لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى: {وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}. وقال تعالى: {أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ}. وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري. وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة، وإنما يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها، فأنزل الله عز وجل: {مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً} أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135)} فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ} {قَوَّامِينَ} بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها. ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب، فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال. الثانية: لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية، ولا يمنع ذلك من برهما، بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل، وهو معنى قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً} فإن شهد لهما أو شهدا له وهي: الثالثة: فقد اختلف فيها قديما وحديثا، فقال ابن شهاب الزهري: كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى: {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ} فلم يكن أحديتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم. ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا. وروي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق والثوري والمزني. ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب. وروى عنه ابن وهب أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه. وقال مالك وأبو حنيفة: شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، لتواصل منافع الاملاك بينهما وهي محل الشهادة. وقال الشافعي: تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض، لأنهما أجنبيان، وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال. والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص فيما عدا المخصوص فبقي على الأصل، وهذا ضعيف، فإن الزوجية توجب الحنان والمواصلة والألفة والمحبة، فالتهمة قوية ظاهرة. وقد روى أبو داود من حديث سليمان بن موسى عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم. قال الخطابي: ذو الغمر هو الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة، فترد شهادته عليه للتهمة. وقال أبو حنيفة: شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلا. والقانع السائل والمستطعم، واصل القنوع السؤال. ويقال في القانع: إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم، وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه. ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه، لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع. وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا فشهادته مردودة، كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها، أو كمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس، فشهد المفلس على رجل بدين ونحوه. قال الخطابي: ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته، لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه، لأنه يجر به النفع لما جبل عليه من حبه والميل إليه، ولان يمتلك عليه ماله، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنت ومالك لأبيك». وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على الفروي، قال: إلا أن يكون في بادية أو قرية، فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب. وقد روى أبو داود والدرا قطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية». قال محمد ابن عبد الحكم: تأول مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب به الخلق. وقال عامة أهل العلم: شهادة البدوي إذا كان عدلا يقيم الشهادة على وجهها جائزة، والله أعلم. وقد مضى القول في هذا في البقرة، ويأتي في براءة تمامها إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: {شُهَداءَ لِلَّهِ} نصب على النعت ل {قَوَّامِينَ}، وإن شئت كان خبرا بعد خبر. قال النحاس: وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في: {قَوَّامِينَ} من ذكر الذين آمنوا، لأنه نفس المعنى، أي كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم. قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط. ولم ينصرف {شُهَداءَ} لان فيه ألف التأنيث. الخامسة: قوله تعالى: {لِلَّهِ} معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه. {وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} متعلق ب {شُهَداءَ}، هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وإن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيقر بها لأهلها، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه، كما تقدم. أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا، كما قال ابن عباس: أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم. ويحتمل أن يكون قوله: {شُهَداءَ لِلَّهِ} معناه بالوحدانية لله، ويتعلق قوله: {وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ} ب {قَوَّامِينَ} والتأويل الأول أبين. السادسة: قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} في الكلام إضمار وهو اسم كان، أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ولا يخاف منه، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه. {فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} أي فيما اختار لهما من فقر وغنى. قال السدي: اختصم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غني وفقير، فكان ضلعه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع الفقير، وراي أن الفقير لا يظلم الغني، فنزلت الآية. السابعة: قوله تعالى: {فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما} إنما قال: {بِهِما} ولم يقل به وإن كانت أو إنما تدل على الحصول الواحد، لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقال الأخفش: تكون أو بمعنى الواو، أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بالخصمين كيفما كانا، وفيه ضعف. وقيل: إنما قال: {بِهِما} لأنه قد تقدم ذكر هما، كما قال تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}. الثامنة: قولع تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى} نهى، فإن اتباع الهوى مرد، أي مهلك، قال الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك. وقال الشعبي: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. {أَنْ تَعْدِلُوا} في موضع نصب. التاسعة: قوله تعالى: {وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} قرئ {وَإِنْ تَلْوُوا} من لويت فلانا حقه ليا إذا دفعته به، والفعل منه لوى والأصل فيه لوى قلبت الياء ألفا لحركتها وحركة ما قبلها، والمصدر ليا والأصل لويا، وليانا والأصل لويانا، ثم أدغمت الواو في الياء. وقال القتبي: {تَلْوُوا} من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين. وقرأ ابن عامر والكوفيون {تلوا} أراد قمتم بالأمر وأعرضتم، من قولك: وليت الامر، فيكون في الكلام معنى التوبيخ للاعراض عن القيام بالأمر. وقيل: إن معنى: {تلوا} الاعراض. فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين: الولاية والاعراض، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا وهو الاعراض. وزعم بعض النحويين أن من قرأ {تلوا} فقد لحن، لأنه لا معنى للولاية ها هنا. قال النحاس وغيره: وليس يلزم هذا ولكن تكون {تلوا} بمعنى: {تلووا} وذلك أن أصله تلووا فاستثقلت الضمة على الواو بعدها واو أخرى، فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين، وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين، ذكره مكي. وقال الزجاج: المعنى على قراءته {وإن تلووا} ثم همز الواو الأولى فصارت تلووا ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت تلوا واصلها تلووا. فتتفق القراءتان على هذا التقدير. وذكره النحاس ومكي وابن العربي وغيرهم. قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر، فاللي على هذا مطل الكلام وجرة حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي إليه. قال ابن عطية: وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل. وقال ابن عباس أيضا والسدي وابن زيد والضحاك ومجاهد: هي في الشهود يلوي الشاهد الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها. ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة، وكل إنسان مأمور بأن يعدل. وفي الحديث: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته». قال ابن الاعرابي: عقوبته حبسه، وعرضه شكايته. العاشرة: وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية، فقال: جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة، لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة. {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136)} قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} الآية. نزلت في جميع المؤمنين، والمعنى: يا أيها الذين صدقوا أقيموا على تصديقكم وأثبتوا عليه. {وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ} أي القرآن. {وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ} أي كل كتاب أنزل على النبيين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر {نزل} و{أنزل} بالضم. الباقون {نَزَّلَ} و{أَنْزَلَ} بالفتح. وقيل: نزلت فيمن آمن بمن تقدم محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأنبياء عليهم السلام. قيل: إنه خطاب للمنافقين، والمعنى على هذا يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله. وقيل: المراد المشركون، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى والطاغوت آمنوا بالله، أي صدقوا بالله وبكتبه. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137)} قيل: المعنى آمنوا بموسى وكفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقيل: إن الذين آمنوا بموسى ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعد عزير بالمسيح، وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما جاء به من القرآن. فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر شيئا من الكفر فكيف قال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} فالجواب أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا رجع فكفر لم يغفر له الكفر الأول، وهذا كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال: قال أناس لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: «أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام». وفي رواية: «ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر». الإساءة هنا بمعنى الكفر، إذ لا يصح أن يراد بها هنا ارتكاب سيئة، فإنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما سبق قبله إلا لمن يعصم من جميع السيئات إلا حين موته، وذلك باطل بالإجماع. ومعنى: {ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً} أصروا على الكفر. {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ} يرشدهم. {سَبِيلًا} طريقا إلى الجنة. وقيل: لا يخصهم بالتوفيق كما يخص أولياءه. وفي هذه الآية رد على أهل القدر، فإن الله تعالى بين أنه لا يهدي الكافرين طريق خير ليعلم العبد أنه إنما ينال الهدى بالله تعالى، ويحرم الهدى بإرادة الله تعالى أيضا. وتضمنت الآية أيضا حكم المرتدين، وقد مضى القول فيهم في البقرة عند قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ}. {بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138)} التبشير الاخبار بما ظهر أثره على البشرة، وقد تقدم بيانه في البقرة ومعنى النفاق.

تابع القراءة>>
الذهاب الى

شبكة الشام اليوم: موقع الكتروني يهدف إلى الإهتمام بالهم اليومي للحياة الشامية في شتى المجالات, من خلال الرصد اليومي لمستجدات حياة المجتمعات الشاميّة, يصحبهم في الحضر والسفر , ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم, ويكون جسراً بين أفراد المجتمع الشامي* وشعوب العالم لإبراز تاريخ وحضارة بلاد الشام وعراقتها الأصيلة, ويكون دليلاً لكل سائح يقصدها, كل ذلك بطريقة نموذجية, ورؤية ثاقبة, ومصداقية في المعلومة.

 

Copyright 2014 Alsham Today | Powered by Xohut